البركة في الإسلام — المجلد الأول: حقيقتها ومعالمها في الوحي — النص الكامل
صفحة الكتاب وتحميل PDF · مجلدات الكتاب
البركة في الإسلام
المجلد الأول
حقيقتها ومعالمها في الوحي
تأليف وتوزيع مدارج
النسخة المراجعة
٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
إلى كل من يرجو خير النعمة وحسن الانتفاع بها، وإلى من علمنا ودلنا على الخير. نسأل الله أن ينفع بهذا العمل قارئه، وأن يجزي والدينا ومعلمينا ومن أسهم فيه خير الجزاء.
المحتويات
مقدمة المجلد
هذا المجلد مدخل الكتاب إلى معنى البركة وأصلها وحدود القول فيها. بني على النصوص التي تصرح بها، وعلى ما يفسرها من السنة والشرح الموثق، وجمعت موضوعاته المتقاربة في سبعة أبواب. تقرأ الشواهد في سياقها، ثم يشرح وجه اتصالها بالموضوع دون توسع في المسائل الجانبية.
يأتي بعده مجلد الأسباب والموانع، ثم كراسة التدريب والقياس. يحال إلى الموضع السابق عند الحاجة إلى شاهد سبق بيانه، ويقتصر تكرار النص على ما تستدعيه ضرورة ظاهرة. وتجمع في آخر هذا المجلد مواضع الجذر القرآني في فهرس موجز للرجوع.
يقصد الكتاب إلى علم يعين على العبادة والمعاملة ورجاء فضل الله. وتبقى النقول محددة المصادر في الحواشي مع روابط لشواهدها؛ أما التعليق والتطبيق فصياغة تحريرية يقدر نفعها بسلامة فهمها وصلتها بالدليل.
١ — ما البركة
تبدأ معرفة البركة بتحرير معناها، حتى لا يختلط الخير بكثرة العدد، ولا الرجاء في فضل الله بادعاء علم الغيب. ويجمع هذا الباب أصل المعنى والفروق التي يحتاج إليها القارئ في بقية الكتاب.
معنى البركة في اللغة والشرع
يربط أهل اللغة مادة «برك» بمعنى اللزوم والثبوت. قال الراغب الأصفهاني: «والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء».[١]
يجمع هذا التعريف أصلين: أن الخير من الله، وأن البركة خير يثبت في الشيء. وتبين النصوص كيف ينمو هذا الخير أو يتسع نفعه في كل موضع.
توضح النصوص وجوه هذا الخير بحسب موضعه: ماء تنبت به الأرض، وكتاب يهدي إلى الحق، وإنسان ينفع بعلمه وعمله. ويأتي تفصيل هذه الوجوه في أبوابها، حتى يبقى تعريف البركة مرتبطا بدلالة الوحي.
قد تظهر البركة في زيادة محسوسة، ككثرة الطعام أو الثمر على وجه خارق أكرم الله به نبيه ﷺ، أو في زيادة المال والولد مع صلاح النفع فيهما. وقد تظهر في الكفاية: أن يؤدي القليل ما لا يؤديه مثله عادة. وقد تظهر في دوام الخير: علم يبقى أثره، أو عمل يتصل نفعه، أو بيت يستقر فيه الإيمان والرحمة. وقد تكون معنوية خالصة في نظر الناس، كالهداية والفهم والطمأنينة والتوفيق إلى الطاعة.
البركة والكثرة
الكثرة مقدار؛ والبركة خير في ذلك المقدار. قد يجتمعان، كما في دعاء أنس رضي الله عنه بكثرة المال والولد والبركة فيما أعطي[٢] . وقد تنفصلان: مال كثير يفتح أبواب النزاع، وقليل يكفي صاحبه ويصونه عن الحرام.
لهذا لا يصح أن نستدل بالعدد وحده. زيادة المبيعات لا تعني بركة إذا قامت على خداع، وكثرة المتابعين لا تعني نفعا إذا نشر الحساب الوهم، وطول الساعات لا يعني إنجازا إذا ضاعت الحقوق. العدد يجيب عن «كم»، والبركة تسأل مع ذلك: من أين؟ وفيم؟ وبأي أثر؟
البركة والنماء
النماء صورة من صور الزيادة والتطور، وقد يكون محمودا أو مذموما بحسب موضوعه وطريقه. تنمو شجرة فينتفع بها، وينمو دين ربوي فيزداد إثما وعبئا. أما البركة فلا تسمى خيرا إلا من جهة ما جعله الله خيرا.
قد يظهر النماء محسوسا في المال والعلم والأثر، وقد تكون البركة في حفظ الشيء من التلف أو في كفايته دون زيادة ظاهرة. لذلك لا نحصرها في منحنى صاعد. أحيانا يكون الخير في توقف توسع يهدد الدين أو الأسرة، وفي الخروج بخسارة محدودة من باب حرام.
البركة والسعادة
السعادة لفظ واسع يستعمل للرضا واللذة والطمأنينة والفلاح. وقد يشعر الإنسان بسرور مؤقت في معصية، فلا يكون شعوره دليل بركة. كما قد يحمل عمل مبارك مشقة وألما؛ رد المظلمة قد يوجع النفس، والصدق قد يفوت صفقة، والصبر على العلاج ليس لذة.
السعادة الإيمانية ثمرة أوسع ترتبط بمعرفة الله وطاعته والرجاء فيه، لكنها لا تعني دوام الانفعال المريح. البركة قد تخدمها حين يثبت الخير وينفع، لكنها ليست مرادفا لكل مزاج حسن.
البركة والتوفيق
التوفيق أن يعين الله العبد إلى الصواب والعمل به. وهو من أعظم وجوه الخير، لكنه يلحظ فعل العبد ومساره، بينما توصف بالبركة أشياء وأزمنة وأمكنة وأرزاق. قد يوفق الإنسان إلى قرار صادق، ثم يبارك الله أثره فيتعدى نفعه.
ولا يعرف التوفيق بمجرد تحقق المراد. من ظفر بمال حرام لم يوفق إليه شرعا وإن سماه نجاحا. يعرف التوفيق بموافقة الحق، وسلامة الطريق، وما يرجى من عاقبته.
البركة والكفاية
الكفاية أن يبلغ الموجود قدر الحاجة أو يسدها. وهي أثر قريب من البركة في كثير من أحوال الرزق، لكنها لا تستوعب معناها. فالكتاب المبارك يهدي ويذكر، والإنسان المبارك ينفع، والماء المبارك تنبت به الحياة؛ وليس وصف هذه كلها بالكفاية وحدها تاما.
وقد يشعر المرء بالكفاية لأنه خفض حاجاته، أو لأن الله حفظ ماله، أو لأن أهله تعاونوا. هذه معان جميلة يرجى أن تكون من الخير، لكننا لا نجزم بسبب غيبي مخصوص في واقعة فردية بلا دليل.
البركة والقبول
القبول عند الله غيب لا يملكه الناس. قد تظهر للعمل آثار نافعة فيرجى الخير لصاحبه، ولا يشهد له بالقبول قطعا. وقد يخفى العمل المقبول فلا يعرفه أحد. ولهذا يختم العبد عمله بسؤال الإخلاص والقبول، من غير أن يدعيهما لنفسه.
والانتشار ليس قبولا حتميا، كما أن قلة الانتشار ليست ردا. المؤلف والعالم والداعية يعملون على صحة المادة وحسن البلاغ، ثم يفوضون القلوب والآثار إلى الله.
٢ — كيف يعرض الوحي البركة
ترد البركة في الوحي في سياقات متعددة. يجمع هذا الباب طريقة قراءتها، ثم تتولى الأبواب التالية شرح شواهدها. والأصل أن يفهم الوصف في سياقه، وأن يبقى العمل المنسوب إلى الشرع محتاجا إلى دليله.
مواضع البركة في القرآن
ورد جذر «ب ر ك» في القرآن في اثنين وثلاثين موضعا. منها الثناء على الله بصيغة «تبارك»، ومنها وصف أشخاص وأماكن وأشياء بالبركة، ومنها الإخبار عن فتح البركات. وتجمع مواضع الجذر في الفهرس القرآني آخر هذا المجلد، مع عزو السورة والآية.[٣]
تبدأ دراسة البركة بمعرفة ما أثبته النص، ثم النظر في سياقه وتفسيره، ثم تحديد العمل الذي يدل عليه. وقد يصف النص شيئا بالبركة ولا يأمر بفعل معين تجاهه؛ فلا يضاف فعل تعبدي إلى الخبر من غير دليل. وقد يبين سببا للبركة في معاملة، فيعمل القارئ به في موضعه.
ثلاثة أسئلة عند قراءة الدليل
السؤال الأول: ما الذي أثبته النص؟ قد يكون ثناء على الله، أو وصفا للقرآن أو لمكان بالبركة، أو دعاء بها، أو خبرا عن سببها أو محقها. يحدد القارئ هذا المعنى قبل الانتقال إلى تطبيقه.
السؤال الثاني: لمن ورد الحكم وفي أي سياق؟ فخبر معجزة للنبي ﷺ له دلالته، والدعاء المشروع للمتزوجين له موضعه، والوعد المرتبط بصدق المتبايعين له شرطه. يحفظ هذا التعيين الخصائص والشروط، ويمنع جمع النصوص المختلفة في وصفة واحدة.
السؤال الثالث: ما العمل الذي يدل عليه؟ يتبع الأمر حيث ورد، ويصدق الخبر، ويرجو الخير الموعود، ولا يلحق بالنص عددا أو هيئة أو نتيجة لم يتضمنها. ويسأل عما يشتبه قبل أن ينسب إلى الدين تطبيقا خاصا.
الفرق بين البركات والمتاع
بعد الطوفان قيل لنوح عليه السلام: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[٤] . جمع السياق في آية واحدة بين البركات والمتاع، ثم فرق بين العاقبتين. فهناك سلام وبركات، وهناك تمتيع في الحياة الدنيا لا يمنع العذاب بعده.
هذا الفرق يعيد ترتيب نظرتنا إلى الأشياء. ليس كل ما استمر دليل قبول، ولا كل ما كثر علامة خير باق. قد يمتد للإنسان مال أو جاه أو صحة، فيكون ذلك متاعا وامتحانا، ولا نعلم من ظاهره وحده منزلته عند الله. وقد يضيق عليه بعض أمر الدنيا، ويجعل الله له في إيمانه وعلمه وأهله من الخير ما لا تقيسه الجداول.
لسنا مأمورين أن نطارد الأسرار في حياة الناس، فنقول لهذا: مالك ممحوق، ولهذا: تجارتك مباركة، اعتمادا على انطباع أو مصادفة. نحن نعرف القواعد العامة: الصدق سبب للبركة في البيع، والكذب والكتمان سبب للمحق، والإيمان والتقوى سبب لفتح البركات، والذنوب سبب للعقوبة على الجملة. أما تنزيل حكم الغيب على شخص بعينه، فباب آخر لا يملكه من رأى نصف القصة.
وفي بشارة امرأة إبراهيم عليه السلام قال الملائكة: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾[٥] . جاءت البركة في بيت، وفي ذرية، وفي بشارة بدت في أول وهلة بعيدة عن حساب العادة. لكنها لم تكن شعارا عاما منفصلا عن الوحي؛ كانت خبرا من رسل الله في واقعة مخصوصة. نتعلم منها أن الله يهب للبيوت من الخير ما يشاء، وأن رحمته أوسع من المقاييس، ثم نقف عند حد النص ولا نحول القصة إلى وعد عددي لكل من كرر عبارتها.
٣ — الله واهب البركة
يرد القرآن القلب إلى الله عند ذكر الخلق والملك والوحي والنعم. ومن هذا الأصل يفهم المسلم البركة: يعطيها الله لمن شاء وفيما شاء، وتطلب منه على الوجه الذي شرعه.
الثناء على واهب البركة
وردت صيغة «تبارك» في القرآن تسع مرات، مسندة إلى الله سبحانه أو إلى اسمه. وتربط مواضعها الثناء عليه بالخلق والملك وإنزال الوحي. وهذه النصوص تؤسس طلب البركة على معرفة واهبها وتعظيمه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[٦] . عرضت الآية خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار، ثم ختمت بإفراد الله بالخلق والأمر. وقد قرر الطبري في تفسيرها أن العبادة له؛ لأنه الخالق الآمر، وأن ما سواه لا يخلق ولا يأمر ولا يملك نفعا أو ضرا من ذاته.[٧]
هذا الأصل يحرر القلب من صورتين متقابلتين من الخطأ. الأولى أن يتعلق بالشيء المبارك وينسى من باركه، فيتصرف معه كأنه يملك النفع من نفسه. والثانية أن يتكلم عن البركة حديثا نفسيا غامضا لا صلة له بالتوحيد. والقرآن لا يسلك هذا ولا ذاك. هو يثبت البركة في خلق اختاره الله، لكنه يفتح الباب بالتسبيح والثناء والملك والقدرة.
وفي خلق الإنسان قال سبحانه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[٨] . سبقت هذه الخاتمة أطوار دقيقة: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظام ولحم، ثم خلق آخر. وفسر الطبري «أحسن الخالقين» بأحسن الصانعين، وبين أن العرب تستعمل الخلق في معنى التقدير والصنعة، مع بقاء خلق الله على ما يليق به سبحانه. ليس الإنسان ابن المصادفة في هذا السياق؛ إن تكوينه دليل قدرة وحكمة، والثناء يعود إلى خالقه.[٩]
وفي سورة الفرقان قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[١٠] . فالوحي نفسه من أعظم أبواب الخير؛ يفرق بين الحق والباطل، ويخرج الإنسان من عبودية الوهم إلى عبودية الله. وافتتاح السورة بـ«تبارك» يربط بركة الرسالة بمن أنزلها، ويمنع أن تتحول قداسة النص إلى مجرد زينة لا يسمع صاحبها إنذاره ولا يتبع هداه.
العطاء الدنيوي ومنزلة الرسالة
اعترض المشركون على بشرية الرسول ﷺ، واستكثروا أن يمشي في الأسواق، وسألوا لماذا لم يلق إليه كنز أو تكن له جنة يأكل منها. فجاء الرد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾[١١] . رجح الطبري أن الخير الموعود خير مما عظمه المشركون وتمنوه للنبي ﷺ.[١٢]
المعنى لا يذم المال ولا الجنة ولا البيت الجميل؛ الآية نفسها تذكرها في مقام القدرة على العطاء. لكنها ترفض أن يصبح العرض الدنيوي ميزان صدق الرسول أو منزلة الرسالة. لو شاء الله لفتح لعبده أبوابا أعظم مما اقترحوا، لكن الرسالة لا تستمد حقها من قصر، والنبي لا يصير أكرم لأنه يحمل كنزا يراه الناس.
بركة الخلق والرزق
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾[١٣] . ثم قال في موضع آخر: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[١٤] .
في الأولى يرفع القرآن النظر إلى نظام السماء وأنوارها، وفي الثانية يعيده إلى الأرض التي يستقر عليها الإنسان، والجسد الذي أحسن الله صورته، والطعام الذي تقوم به حياته. لا تجعلنا الألفة نرى هذه الأشياء عادية بمعنى أنها مستغنية عن الخالق. انتظامها هو من النعمة، ودوامها كل يوم لا ينزع عنها دلالة القدرة.
وفي سورة الزخرف قال سبحانه: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[١٥] . فملك الدنيا ليس نهاية القصة؛ عنده علم الساعة وإليه الرجوع. لهذا لا تكتمل البركة بما يصلح ساعة من الحياة ثم يفسد العاقبة. الخير المبارك لا ينفصل عن طريق العودة إلى الله.
تبارك اسم ربك
ختمت سورة الرحمن بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[١٦] . وفسر الطبري ذلك ببركة ذكر الرب، وفسر الجلال بالعظمة. والثناء في الآية متوجه إلى الرب ذي الجلال والإكرام، فيعظم المؤمن ربه ويعظم أسماءه، ولا يفصل الذكر عن معرفة المدعو وعبادته.[١٧]
تعظيم اسم الله من تعظيمه سبحانه. يستحضر الداعي معنى ما يسأل، ويجمع الدعاء بالعبادة والأخذ بالأسباب، ويرجو فضل ربه دون أن يجعل لفظ الدعاء وسيلة مستقلة تضمن له صورة معينة من العطاء.
وقال تعالى في مطلع سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[١٨] . فالملك كله بيده، والقدرة له، ثم يأتي بعدها خلق الموت والحياة لاختبار العمل. بهذا يكتمل ميزان الباب: البركة ليست بحثا عن زيادة خارج الامتحان، بل خيرا من المالك القدير يعين العبد على أن يحسن عمله في الامتحان.
الفرق بين البركة والسبب والخارق
تلتقي في كلام الناس ألفاظ متجاورة: معجزة، وكرامة، وسبب، وبركة. وإذا لم تحرر صار كل أمر عجيب برهانا، وكل مصادفة وعدا، وكل نجاح كرامة.
المعجزة آية يؤيد الله بها نبيا. والكرامة أمر خارق يجريه الله لبعض أوليائه، ولا تجعل صاحبها مشرعا، ولا يثبت بها سبب تعبدي جديد. ويأتي تطبيق هذا الفرق في أخبار بركات النبوة ثم في ضوابط التبرك.[١٩]
والسبب الشرعي هو ما دل الوحي على كونه طريقا لفضل: كالتسمية، وصلة الرحم، والصدق، والدعاء. نعمل به عبادة مع التسليم لمشيئة الله، ولا نحوله إلى آلة تفرض صورة دنيوية بعينها. أما السبب الكوني أو المعتاد فيعرف بالحس والخبرة المنضبطة، كالدواء النافع والتنظيم الجيد. إثباته لا يحتاج أن نسميه سرا روحانيا، لكنه يحتاج صدق التجربة وأمانة التخصص.
ويبقى نوع رابع: دعوى بلا حجة. حجر يجذب الرزق، أو رقم يفتح الأبواب، أو مكان يمنح النجاح لمجرد الوقوف فيه، أو وصفة تسوق بوعد شرعي لم يقله الشرع. هنا يجب أن نتوقف. ليس كل ما لا نفهمه باطلا، لكن ليس لنا أيضا أن ننسب إلى الله سببا لم يثبته شرع ولا حس معتبر.
قد تجتمع في الشيء جهات مختلفة: ينزل المطر وفق السنن التي خلقها الله، ويدعو المسلم بنفعه، ويتبع ما صح من هدي النبي ﷺ فيه. صحة تفسير جهة منه لا تغني عن الدليل المطلوب للجهة الأخرى.
٤ — بركات النبوة وخصائصها
تظهر في الأخبار الآتية بركة دعاء النبي ﷺ وما أكرمه الله به من الآيات. أثبتت الروايات المختارة كاملة، لأن سياق الحاجة والدعاء والنتيجة يحفظ معناها، ويبين ما يختص بالنبوة وما يتصل بالاقتداء.
الدعاء لأنس بكثرة المال والولد والبركة
عن أنس رضي الله عنه قال: «قالت أم سليم للنبي ﷺ: أنس خادمك. قال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته».[٢٠]
يجمع الدعاء بين الكثرة والبركة، فلا يجعل بينهما تعارضا لازما ولا مساواة كاملة. المال والولد نعمتان تحتاجان إلى خير النفع وصلاح العاقبة؛ لذلك جاء سؤال البركة مع سؤال الكثرة.
وهذا يوازن خطأين. الأول أن نجعل الفقر فضيلة في ذاته وننظر إلى كل سعة بريبة. والثاني أن نجعل السعة دليل رضا مطلق. المال أداة وابتلاء ونعمة، والولد أمانة وقرة عين وابتلاء، والخير في أن يبارك الله فيما أعطى، ويوفق صاحبه للشكر والقيام بالحق.
قضاء دين جابر وبقاء التمر
عن جابر رضي الله عنه: أن أباه، توفي وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت إن أبي ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكى لا يفحش على الغرماء. فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم آخر، ثم جلس عليه فقال «انزعوه». فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم.[٢١]
في القصة دعاء وآية من دلائل النبوة، وفيها كذلك وفاء ومسؤولية. ظهرت البركة في قضاء الدين مع بقاء مثل ما أعطي الغرماء. وهذا يعلمنا أن رجاء الفرج يصحب أداء الحقوق والسعي في الوفاء، ولا يكون ذريعة لإهمال ما للناس.
بركة الطعام يوم الخندق
عن جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق، فقال «أنا نازل». ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب، فعاد كثيبا أهيل أو أهيم، فقلت يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي رأيت بالنبي ﷺ شيئا، ما كان في ذلك صبر، فعندك شىء قالت عندي شعير وعناق. فذبحت العناق وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج فقلت طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال «كم هو». فذكرت له، قال «كثير طيب». قال «قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي». فقال «قوموا». فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت هل سألك قلت نعم. فقال «ادخلوا ولا تضاغطوا». فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال «كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة».[٢٢]
المعجزة واضحة، لكن حولها آداب دقيقة: سؤال عن المقدار، وتنظيم للدخول، ومنع للتزاحم، وحفظ للطعام في إنائه، ثم أمر بالأكل والإهداء. لم تجعل البركة الفوضى فضيلة. وكلما تأملنا القصة وجدنا أن الكرم النبوي لم يقف عند شبع الحاضرين؛ وامتد توجيهه ﷺ إلى الإهداء لمن لم يحضر.
خبر المقداد وبركة اللبن
عن المقداد رضي الله عنه قال: أقبلت أنا وصاحبان، لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز فقال النبي ﷺ «احتلبوا هذا اللبن بيننا». قال فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه ونرفع للنبي ﷺ نصيبه – قال – فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان – قال – ثم يأتي المسجد فيصلي ثم يأتي شرابه فيشرب فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي فقال محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة فأتيتها فشربتها فلما أن وغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل – قال – ندمني الشيطان فقال ويحك ما صنعت أشربت شراب محمد فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك فتذهب دنياك وآخرتك. وعلى شملة إذا وضعتها على قدمى خرج رأسي وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماى وجعل لا يجيئني النوم وأما صاحباى فناما ولم يصنعا ما صنعت – قال – فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم ثم أتى المسجد فصلى ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا فرفع رأسه إلى السماء فقلت الآن يدعو على فأهلك. فقال «اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني». قال فعمدت إلى الشملة فشددتها على وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ فإذا هي حافلة وإذا هن حفل كلهن فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه – قال – فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله ﷺ فقال «أشربتم شرابكم الليلة». قال قلت يا رسول الله اشرب. فشرب ثم ناولني فقلت يا رسول الله اشرب. فشرب ثم ناولني فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض – قال – فقال النبي ﷺ «إحدى سوآتك يا مقداد». فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ «ما هذه إلا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها». قال فقلت والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس.[٢٣]
يبين الخبر رجاء المقداد أن يصيبه دعاء النبي ﷺ، وما ظهر من الرحمة والكفاية. وفي الدعاء سؤال الخير لمن بذل الطعام والشراب، ورد للإحسان إلى واهب الرزق سبحانه.
الدعاء للمولود بالبركة
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم، فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة ودفعه إلي». وفي آخر الرواية: «وكان أكبر ولد أبي موسى».[٢٤]
من هدي استقبال المولود الدعاء له بالخير والبركة، مع القيام بحقه في الرعاية والتربية.
ولا يسوغ أن يقاس ريق غير النبي ﷺ وآثاره على ريقه وآثاره؛ فخصوصية البركة الثابتة له لا تنتقل إلى غيره لمجرد صلاحه. ويبقى الدعاء للمولود بابا ظاهرا من الخير.
دعاء النبي لعروة في بيعه
عن عروة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.[٢٥]
في القصة فقه ومهارة وأمانة، ومعها دعوة نبوية خاصة. فلا نأخذ آخرها ونترك أولها، ولا نحولها إلى إعلان يضمن مضاعفة رأس المال لمن ردد عبارة. ما وقع لعروة كرامة وبركة بدعاء النبي ﷺ، لكنه لا يؤسس معادلة استثمارية ولا يلغي أحكام الوكالة والرضا التي يبحثها الفقهاء.
الدعاء لابن عباس بالعلم
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال «اللهم علمه الكتاب».[٢٦]
هذا دعاء بالعلم، يطلب به العبد فتح الله وتوفيقه. ويصاحب الدعاء طلب العلم من أهله، والصبر على التعلم، والعمل بما صح.
هذا اللقاء بين الدعاء والطلب صورة ناضجة لبركة العلم. قد يفتح الله فهما، ويجمع للطالب من الوقت ما لا يجتمع لغيره، ويجعل لكلمة منه أثرا بعيدا؛ لكنه لا يبارك الجهل المتكئ على الأمنية. من أراد علما مباركا طلب صحة المصدر، وحسن القصد، والعمل، والتواضع عند ما لا يعلم.
جبة النبي الثابتة عند أسماء
عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر، وكان خال ولد عطاء، قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر فقالت بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة العلم في الثوب وميثرة الأرجوان وصوم رجب كله. فقال لي عبد الله أما ما ذكرت من رجب فكيف بمن يصوم الأبد وأما ما ذكرت من العلم في الثوب فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول " إنما يلبس الحرير من لا خلاق له ". فخفت أن يكون العلم منه وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله فإذا هي أرجوان. فرجعت إلى أسماء فخبرتها فقالت هذه جبة رسول الله ﷺ. فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها[٢٧]
هذا خبر في أثر عرفت أسماء نسبته إلى النبي ﷺ، وعرفت طريق انتقاله إليها. وهو يثبت التبرك بأثره الثابت، ولا يصحح نسبة عين أخرى إليه بغير بينة.
الاستشفاء بالأثر الثابت من آثار النبي ﷺ متعلق بما جعل الله فيه من البركة. ويبقى إثبات نسبة العين شرطا مستقلا؛ فصحة أصل التبرك بآثاره لا تصحح كل ما ينسب إليه.
٥ — الأزمنة والأماكن والأعيان المباركة
تثبت فضيلة الزمان والمكان والعين بالنص. ويجمع هذا الباب المواضع الواردة في مادة الكتاب، مع بيان وجه الاستدلال. وليس تعدادها دعوة إلى اختراع عمل عند كل موضع؛ فالخبر عن الفضل والأمر بالتعبد دليلان يراعى كل منهما.
الليلة المباركة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾[٢٨] . ذكر الطبري في تعيينها قولين: ليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، ثم رجح ليلة القدر. وسياق القرآن يربط بركتها بالإنزال والإنذار وتقدير الأمر، فلا تكون بركة الزمن فراغا ينتظر أن نملأه بأي عادة نختارها.[٢٩]
إذا ثبت شرف زمان، بقي سؤال العبادة فيه: ماذا شرع الله ورسوله؟ هنا يقع الفاصل بين الاتباع والابتداع. إثبات الليلة المباركة لا يسمح لنا أن نضع من عندنا عددا مخصوصا أو صلاة بهيئة مخصوصة أو وعدا دنيويا لا دليل عليه. الزمن باركه الله، والطريق إلى خيره هو الطريق الذي بينه الوحي.
وبركة الزمن تعلمنا أيضا أن الساعات ليست متساوية من كل وجه. ليلة واحدة قد ينزل فيها من الهدى ما يغير تاريخ أمة. وليس معنى ذلك أن بقية الأيام لا قيمة لها؛ بل إن فضل الوقت المختار يربي الإنسان على الانتباه، ويوقظه من وهم أن العمر كتلة واحدة يمكن تأجيل الخير فيها بلا نهاية.
الشجرة المباركة في آية النور
في آية النور قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[٣٠] . والآية كلها مثل عظيم للنور والهداية، وقد عرض الطبري أقوال السلف ثم رجح أن المثل للقرآن في قلب المؤمن، وذكر صفاء الزيت وقوة إشراقه.[٣١]
وصف الشجرة بالبركة حق نثبته كما جاء. لكن موضعها داخل المثل يمنع القراءة المبتورة التي تقتطع الكلمة ثم تبني عليها طقسا لم يرد. لا يقال إن كل زيتونة تمسح طلبا لخير غيبي، ولا إن وجود الزيت في بيت يحقق أثرا تعبديا خاصا. قد يكون الزيت غذاء نافعا، وقد ثبتت له أحكام وفوائد في نصوص أخرى، أما هذه الآية فلابد أن تفهم في سياق المثل.
البقعة المباركة في قصة موسى
في قصة موسى عليه السلام قال الله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[٣٢] . عين الطبري الموضع عند الطور، ونقل عن قتادة أن النداء كان من عند الشجرة. أما نوع الشجرة فتعددت فيه الأخبار، ولا يحتاج قلب المؤمن إلى جزم لا يملك دليله.[٣٣]
بركة البقعة ثابتة بالنص، لكن النص لم يجعل تعيين شجرتها اليوم تكليفا للمسلم، ولم يأمره أن يطلب بقاياها أو يمسح ترابها. من الأمانة أن نفرق بين ما أخبر الله به في القصة، وما شرعه لهذه الأمة فعلا. هذا الفرق يصون حب المقدسات من أن يتحول إلى صناعة آثار لا تثبت.
البيت الحرام والحجر الأسود
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾[٣٤] . رجح الطبري أنه أول بيت وضع لعبادة الله، وربط هديه وبركته بنسك الناس وطوافهم وتعظيم ربهم.[٣٥]
عن عمر رضي الله عنه: «أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك».[٣٦]
البيت مبارك، ووجهته التوحيد. الناس يقصدونه ليعبدوا الله؛ وقد جمع عمر في موقفه بين اتباع السنة ونفي استقلال الحجر بالنفع والضر.
المسجد الأقصى والأرض المباركة
حين يذكر القرآن أرضا مباركة، قد يسبق إلى الذهن ما يخرج منها من زرع وثمر. وهذا وجه صحيح دلت عليه بعض عبارات المفسرين، لكنه ليس كل الصورة. فالمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ليس حقلا واسعا فحسب؛ هو موضع ارتبط بالنبوات والعبادة والإسراء. والأرض التي أنجى الله إليها إبراهيم ولوطا عليهما السلام لم تكن مجرد انتقال جغرافي؛ كانت مهاجرا للدين، ومسرحا متصلا من تاريخ الوحي. والأرض التي كانت الريح تجري بسليمان إليها كانت موطنه الذي يعود إليه، وقد جمع الله له فيها النبوة والملك والتسخير.
قال الله تعالى في فاتحة سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[٣٧] . وذكر ابن كثير في تفسيره أن مما يدخل في البركة حوله الزروع والثمار، وذكر صلته بمواطن الأنبياء. فنحن أمام خير محسوس، وخير ديني، وتاريخ من الهداية؛ وأمام آية تجعل المكان طريقا إلى رؤية آيات الله لا غاية تستقل بذاتها.[٣٨]
وفي قوله تعالى عن إبراهيم ولوط عليهما السلام: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾[٣٩] ، رجح الطبري أن المراد أرض الشام، مستدلا بسياق الهجرة ومقام إبراهيم فيها. ثم جاء ذكر الأرض نفسها في قصة سليمان: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾[٤٠] . يتكرر الوصف، لكن علاقته بالقصة تتنوع: نجاة وهجرة في موضع، وتسخير وملك وعودة إلى المنزل في موضع آخر. وهذا من أسباب الحذر من التعريف الضيق؛ فالكلمة الواحدة تحمل أصلا جامعا، ثم يبين السياق وجه الخير في كل مقام.[٤١]
الأرض الموروثة بعد الصبر
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾[٤٢] . ذكر الطبري أن المراد أرض الشام، وفسر البركة بثبوت الخير فيها.[٤٣]
لكن الآية لا تترك العين عند جمال الأرض وحده. قبلها استضعاف، وفيها صبر، وبعدها تمام وعد وتدمير لما كان يصنع فرعون. فالبركة المكانية لم تلغ سنة الابتلاء، ولم تمنع أن يستبد بالأرض من يفسد زمنا. هي وصف حق، لكن التاريخ يتحرك تحت عدل الله وحكمته، والناس يمتحنون بالإيمان والظلم والصبر والعمل.
البركة في مشهد تكليم موسى
في طريق موسى عليه السلام قال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[٤٤] . نقل المفسرون أقوالا في المراد بالنار ومن فيها ومن حولها، ونقل ابن كثير عن ابن عباس تفسير «بورك» بـ«قدس»، وذكر الملائكة فيمن حولها.[٤٥]
ومهما اختلفت عبارات التفسير، فإن ختام الآية بالتسبيح ميزان لا يزول: الله رب العالمين منزه عن مماثلة خلقه، لا تحيط به نار ولا شجرة ولا سماء، وقد كلم موسى حقيقة كما شاء سبحانه. لا نرد الخبر، ولا نشبه الخالق بالمخلوق، ولا ننقل قولا مجملا ثم نبني عليه تصورا فاسدا.
بركة الأرض والأقوات
يرسم القرآن في قصة سبأ صورة دقيقة لنعمة لا تقف عند البستان. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾[٤٦] . فسر الطبري القرى الظاهرة بأنها قرى متصلة، وبين أن السير كان مقدرا من منزل إلى منزل، وأنهم يسيرون آمنين من الجوع والعطش والظلم.[٤٧]
ثم قال الله عن الأرض: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾[٤٨] . وفسر الطبري البركة بأنه جعلها دائمة الخير لأهلها، وجمع في الأقوات أرزاق الناس ومعايشهم، وما يصلحهم من مطر وغذاء، وما خص به بعض البلاد دون بعض حتى يحتاج الناس إلى التبادل والسير. هذا تفسير يوقظ معنى كان الاعتياد قد غطاه: اختلاف خيرات الأرض ليس نقصا محضا؛ قد يكون بابا لتعارف الناس وتبادل المنافع وحاجة بعضهم إلى بعض.[٤٩]
بركة ماء زمزم
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له فقلت له أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها – قال – وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت لمن قال لله. قلت فأين توجه قال أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث على ثم جاء فقلت ما صنعت قال لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت فما يقول الناس قال يقولون شاعر كاهن ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال قلت فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابئ فأشار إلى فقال الصابئ. فمال على أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا على – قال – فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر – قال – فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع – قال – فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة – قال – فأتتا على في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الأخرى – قال – فما تناهتا عن قولهما – قال – فأتتا على فقلت هن مثل الخشبة غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان لو كان ها هنا أحد من أنفارنا. قال فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان قال «ما لكما». قالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قال «ما قال لكما». قالتا إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى فلما قضى صلاته قال أبو ذر. فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام – قال – فقلت السلام عليك يا رسول الله. فقال «وعليك ورحمة الله». ثم قال «من أنت». قال قلت من غفار – قال – فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه وكان أعلم به مني ثم رفع رأسه ثم قال «متى كنت ها هنا». قال قلت قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال «فمن كان يطعمك». قال قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم. فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع قال «إنها مباركة إنها طعام طعم». فقال أبو بكر يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلته بها ثم غبرت ما غبرت ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال «إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم». فأتيت أنيسا فقال ما صنعت قلت صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم. وقال نصفهم إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا فقال رسول الله ﷺ «غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله».[٥٠]
جمع الخبر رحلة أبي ذر إلى الإيمان، وما لقيه في مكة، وما أكرمه الله به من كفاية زمزم. وبركتها في هذا الخبر ثابتة بقول النبي ﷺ، فلا تحتاج إلى مزيد من الدعاوى الشعبية.
يشرب المسلم زمزم مؤمنا ببركتها الثابتة، ويرجو فضل الله من غير أن ينسب إليها شفاء مستقلا أو يعد الناس بنتيجة علاجية مضمونة.
الماء المبارك وإنبات الأرض
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾[٥١] . هنا يفسر السياق بعض وجه البركة: ماء ينشأ به نبات كثير متنوع، وتحيا به الأرض والأنعام والناس. وقال البغوي في تفسير الماء المبارك: «كثير الخير وفيه حياة كل شيء، وهو المطر».[٥٢]
لا تحتاج البركة دائما إلى حادثة خارقة حتى نراها. المطر الذي يجري وفق السنن الكونية آية، وما يخرجه الله به من الأرض خير متجدد. وقد يحجب الاعتياد عنا المعنى؛ نرى الماء كل يوم، فنحسب أن وجوده أمر ذاتي لا منحة. يعيد القرآن الاسم إلى الحقيقة: هذا ماء أنزله الله، وجعل فيه خيرا يتعدى القطرة إلى حياة واسعة.
الدعاء بنفع المطر
عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال «صيبا نافعا».[٥٣]
يسأل الدعاء نفع المطر؛ فقد يكثر الماء فيضر، وقد ينفع الله بالقليل منه. العبرة بما يجعله الله فيه من خير وما يدفعه من شر.
هدي النبي عند نزول المطر
عن أنس رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر قال فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه تعالى.[٥٤]
في الخبر استقبال لنعمة الله في المطر النازل. وليس فيه نسبة قوة مستقلة إلى قطرة الماء، ولا إنشاء طقوس لم ترد حوله.
من هنا يجب أن نتأنى في نسبة الأحكام. تبرك النبي ﷺ بالمطر النازل ثابت في هذه الصورة، أما جمع الماء وبيعه بوصفه علاجا لكل داء، أو ربط كل مطر بمناسبة غيبية معينة، فدعوى أخرى تحتاج دليلا آخر. صحة الأصل لا تمنح الفروع المفتوحة ختما تلقائيا.
الدعاء لثمر المدينة ومكاييلها
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال «اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه». قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر.[٥٥]
جمع الدعاء بركة الثمر والمدينة ومكيالي الصاع والمد. وفيه سؤال الخير في الرزق الذي يتناوله الناس كل يوم، مع خصوص فضل المدينة الذي أثبته الدعاء النبوي.
في إعطاء أول الثمر لأصغر من حضر التفات إلى فرح الطفل وحاجته. يتصل الدعاء في الخبر ببذل حاضر يراه الصغير؛ فتكون بداية الموسم تذكيرا بفضل الله وفرصة لإدخال السرور على غيرنا.
وخصوص فضل المدينة ثابت بالنص. لا يجوز أن نصنع لكل مدينة فضيلة غيبية مماثلة بلا دليل. لكن يجوز لكل أهل بلد أن يسألوا الله الخير والبركة، وأن يقيموا أسباب العدل والرحمة، وأن يحبوا أوطانهم الحب الذي يعمر ولا يظلم.
خصوص بركة المدينة
قال النبي ﷺ: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة». هذا دعاء نبوي صحيح يثبت للمدينة خصوصية من البركة، ويضيفها إلى الله: هو الذي يجعل ويمنح. لا يصنعها الإنسان بحكاية، ولا يبيعها متجر، ولا يحتاج ثبوتها إلى تجربة زائر.[٥٦]
ولا يستقل هذا الحديث بترتيب جميع الفضائل بين مكة والمدينة؛ لذلك تجمع النصوص، ويرجع في التفصيل إلى أهل العلم. الكتاب هنا لا يحسم مسألة فقهية مركبة بجملة وجدانية. الذي يهم باب البركة أن المكان قد يختص بفضل حقيقي، لكن طريق معرفته الوحي الصحيح لا الذوق المجرد.
٦ — التبرك المشروع والدعاوى الباطلة
بعد معرفة ما أثبته الوحي، يحتاج طالب البركة إلى ضبط طريق الطلب. يبدأ الباب بالآثار الصحيحة في التبرك بالنبي ﷺ، ثم يبين حدود الاستدلال بالخبر والتجربة والعادة، حتى لا تتسع الدعوى وراء دليلها.
التبرك بوضوء النبي وشعره
عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به، فصلى النبي ﷺ الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة.[٥٧]
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق «خذ». وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس.[٥٨]
ثبت في الروايتين تبرك الصحابة بفضل وضوئه ﷺ وشعره. وتقرأان مع خبر الجبة في الباب الرابع على ضوء خصوصيته الثابتة؛ فلا ينشأ منهما قياس عام لآثار غيره.
قصد العبادة وموافقة موضع الفعل
قال موسى بن عقبة: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة. وسألت سالما، فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء.[٥٩]
وعن المعرور بن سويد قال: «كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر، فقرأ: ألم تر كيف فعل ربك، ولئيلاف قريش، ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض».[٦٠]
يحفظ الأثران الفرق بين تحري ابن عمر موافقة فعل النبي ﷺ، وبين تحذير عمر من اتخاذ آثار الأنبياء مواضع قصد تعبدي لم يشرع. وفهم وجه الفعل وقصد فاعله جزء من فقه الاتباع.
بينهما مساحة تحتاج إلى فقه: ما ثبت أن النبي قصده للعبادة غير ما فعله اتفاقا في سفر؛ وما فعله صحابي اجتهادا لا يصير بالضرورة سنة عامة؛ وما صح مكانه غير ما ادعاه الناس بعد قرون بلا سند. كما أن الصلاة في مسجد مشروع ليست كاتخاذ أثر مجهول عيدا يتكرر.
يفرق في هذا الباب بين سنة دل الدليل على قصد موضعها، وبين واقعة سفر لم يثبت أن قصد المكان جزء من عبادتها. وحكاية اجتهاد صحابي تستدعي فهم مأخذه وجمع ما ورد في المسألة. فلا يرد النص الصحيح، ولا ينشأ من مجرد مرور النبي ﷺ بمكان حكم تعبدي لم يدل عليه الدليل.
المحبة والاتباع
قد يدفع الحب إنسانا إلى تقبيل حجر أو التمسح بجدار أو حمل تراب يظنه مباركا. النية وحدها لا تقلب الفعل سنة. عمر رضي الله عنه قبل الحجر الأسود لأنه رأى النبي ﷺ يقبله، وقال بوضوح إنه حجر لا يضر ولا ينفع. اجتمع الحب والعلم والتوحيد.
وتقدمت رواية جبة النبي ﷺ في الباب الرابع، وروايتا الوضوء والشعر في هذا الباب. فالأصل ثابت في حقه ﷺ، ويبقى إثبات نسبة كل عين إليه مسألة تحتاج إلى بينة.
التحقق من نسبة الآثار
كلما بعد الزمن ازدادت الحاجة إلى سلسلة نقل تحفظ العين: من أخذها؟ ولمن سلمها؟ وكيف عرفت؟ وهل يحتمل الاشتباه؟ لا تكفي الشهرة وحدها، ولا الحكاية المؤثرة، ولا شهادة صاحب مصلحة. ومن طلب الدليل لم يهن النبي ﷺ؛ بل أبى أن ينسب إليه ما لم يثبت.
ولا يلزم من الشك في عين معينة إنكار الأصل كله. نقول: التبرك بآثار النبي ﷺ ثابت في الأخبار الصحيحة، أما هذه العين بعينها فلم يثبت اتصالها. بهذه الجملة نحفظ السنة ونحفظ صدق التاريخ.
ذات أنواط وضبط السبب الغيبي
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى : (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم».[٦١]
كان السائلون مسلمين، ولم يريدوا الخروج من الإسلام. لكن حسن القصد لم يجعل الطلب صحيحا. الطقس المأخوذ من أهل الشرك لا يصير توحيدا بمجرد أن يطلب من نبي. والاسم الجديد لا يغير حقيقة السبب المخترع.
ليس كل جلوس تحت شجرة من هذا الباب، ولا كل تعليق لأداة عليها عبادة. الانتفاع العادي بالأشجار والأماكن يبقى عاديا. محل الإنكار أن تتخذ العين شعارا دينيا وسببا غيبيا لم يجعله الله سببا، وأن تحاكى بها شعائر أهل الشرك.
وهذا الحديث ميزان للدعاوى الحديثة أيضا. قد تتغير الأسماء: طاقة، ذبذبات، سر المكان، حجر يجلب الرزق، سوار يحفظ من الشر. السؤال واحد: ما حقيقة الدعوى؟ وما دليل السببية؟ فإن كانت غيبية دينية فلا تثبت بتجربة مبهمة أو إعلان، وإن كانت مادية فتختبر بميزانها ولا تخلط بالوعد الشرعي.
تفسير الاتباع بالقصد والفعل
قال ابن تيمية: «وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات».[٦٢]
هذا كلام فقيه يجمع الأدلة، لا نص جديد. لكنه يحل عقدة مهمة. الاتباع ليس إعادة الصورة فقط؛ بل موافقة الفعل في وجهه وقصده. إذا وقف النبي ﷺ في مكان لأن الراحلة بركت أو لأن وقت الصلاة حضر، فتحويل الموضع إلى مقصد تعبدي دائم يضيف قصدا لم يكن في الفعل الأول.
وفعل ابن عمر ثابت ومحبة اتباعه مشهورة. لذلك لا نسخر منه ولا ندفنه. لكن اجتهاده لا يجعل كل أثر مزعوم سنة عامة، ولا يلغي عمل كبار الصحابة الآخرين. يبقى في المسألة تفصيل فقهي يراجعه أهل العلم: ثبوت الموضع، وطبيعة الفعل، وقصد الزائر، وما آل إليه حال الناس.
حدود الاستدلال بالتجربة
من أخطر أبواب الوهم أن تتحول التجربة الشخصية إلى عبادة عامة. يذهب رجل إلى مكان، فيشعر براحة، ثم يقول للناس: الدعاء هنا أرجى. يعلق آخر حجرا، فيوافق ذلك سلامة من حادث، فيقول: هذا الحجر يحفظ. يكرر ثالث رقما لم يرد، فتقضى حاجته بعد أيام، فيجعل الرقم سرا ويوصي به من بعده. هكذا يولد الطقس من مصادفة، ثم تقويه الحكايات، ثم يصبح الاعتراض عليه اعتراضا على تجارب الناس.
لكن العبادات والأسباب الغيبية لا تثبت بالتجربة. لو جاز لكل موافقة أن تنشئ عبادة، لتعددت الأديان بعدد المصادفات. وما يقع بعد الفعل ليس دائما بسببه؛ قد يقع معه اتفاقا، وقد يكون نتيجة سبب آخر، وقد يكون اختبارا لا تزكية. لذلك حفظ الشرع باب العبادة بالتوقيف: لا نحدد زمانا ولا مكانا ولا عددا ولا هيئة لطلب فضل مخصوص إلا بدليل.
الفرق بين فضيلة المكان وراحة النفس
ومن هنا يظهر الفرق بين «مكان مبارك» و«مكان أشعر فيه بالراحة». قد يرتاح الإنسان إلى بيته أو مزرعته أو مجلس أهله، وهذا معنى إنساني معتبر، لكنه لا يكفي لإثبات بركة شرعية خاصة. وقد تضيق نفسه في مكان فاضل لتعب أو مرض، ولا تنقلب فضيلته بذلك. الشعور خبر عن صاحبه، أما الحكم الشرعي فخبر عن الدليل.
هل يجوز طلب الدعاء من الصالح؟
طلب الدعاء من المسلم الحي القادر معروف في الجملة، وتفاصيله وآدابه تضبط بالعلم. لكنه لا يعلق القلب بالأشخاص، ولا يجعل الطلب عادة توهم أن دعاء فلان مضمون. يدعو العبد ربه مباشرة، ويرجو دعاء أخيه.[٦٣]
٧ — البركة مع الغنى والفقر والصحة والبلاء
قد يسأل القارئ عن موقع البركة حين يقل المال أو يطول المرض. وهذا الباب يضبط السؤال بنصوص الخير والابتلاء والمسؤولية الفردية، ويحفظ المبتلى من أحكام تصدر على غيبه بغير علم.
الخير في السراء والضراء
عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».[٦٤]
لا ينفي الحديث حزن المؤمن وألمه؛ وإنما يبين ما يرجى له في كل حال من خير الشكر أو الصبر.
السراء امتحان لطيف الملمس، ولذلك يغفل عنها كثير من الناس. الشدة توقظ السؤال، أما النعمة فقد تنيمه. يتسع الرزق فيظن صاحبه أن مهارته استقلت به، ويصح الجسد فيؤجل الطاعة، ويجتمع الأهل فيعامل اجتماعهم كأنه لا ينقطع. ثم إذا تغير شيء عرف قيمة ما كان بين يديه. جاء الحديث ليوقظ القلب قبل الفوات: الخير في السراء لا يتم بمجرد حصولها؛ يتم حين تستخرج شكرا.
أما الضراء فالصبر فيها لا يعني الاستسلام للظلم أو ترك الدواء أو منع الدمع. الصبر ثبات القلب على ما يرضي الله مع أخذ السبب المشروع. يشكو المريض ألمه إلى طبيبه، ويطلب المظلوم حقه، ويبكي المفجوع، ولا يناقض شيء من ذلك الصبر ما دام اللسان والقلب لا يعترضان على الله اعتراض السخط. وقد تكون بركة البلاء في أنه يعيد ترتيب القلب، لكن لا يجوز لنا أن نعد كل متألم بتفسير تفصيلي لم يأذن به الوحي.
بركة النسب ومسؤولية الفرد
قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾[٦٥] . ما أدق هذا الجمع. بركة ثابتة على إبراهيم وإسحاق، ثم فصل بين أفراد الذرية بالعمل: محسن وظالم لنفسه.
لو كانت بركة النسب صك نجاة، لما احتاجت الآية إلى هذا البيان. يكرم المسلم أهل بيت النبوة، ويعرف فضل الآباء الصالحين، لكنه لا يبدل ميزان الله بميزان السلالة. الابن لا يرث تقوى أبيه كما يرث اسمه، والعائلة لا تحرس فردا اختار الظلم من تبعة اختياره.
البلاء لا يبيح اتهام المبتلى
من أخطر أخطاء خطاب البركة أن يسمع المريض أو المفجوع قولا معناه: لو كان ذكرك كاملا لما وقع هذا. النصوص لا تبيح هذا الحكم. الأنبياء والصالحون ابتلوا، والدعاء بالعافية لا يجعل كل بلاء علامة سخط.
قد يكون في الإنسان تقصير يحتاج توبة، كما في كل إنسان، لكن تعيين هذا المرض أو الحادث عقوبة لذلك الذنب قول على الغيب. وظيفتنا أمام المبتلى أن نعين، وندعو، ونحفظ حقه، ونذكره بالرجاء من غير أن نزيد جرحه باتهام.
فهرس مواضع جذر البركة في القرآن
يرتب هذا الفهرس مواضع الجذر بحسب المصحف. والعنوان بيان إجمالي لموضوع الآية، ويقرأ النص كاملا في المصحف مع سياقه وتفسيره. أما شرح الشواهد المختارة فموزع على أبواب المجلدين الأول والثاني.
|
السورة والآية |
موضوع الموضع |
|
آل عمران: ٩٦ |
البيت المبارك |
|
الأنعام: ٩٢ |
كتاب مصدق منذر |
|
الأنعام: ١٥٥ |
كتاب يتبع |
|
الأعراف: ٥٤ |
تبارك رب العالمين |
|
الأعراف: ٩٦ |
بركات السماء والأرض |
|
الأعراف: ١٣٧ |
الأرض الموروثة للمستضعفين |
|
هود: ٤٨ |
بركات بعد الطوفان |
|
هود: ٧٣ |
رحمة على أهل بيت إبراهيم |
|
السورة والآية |
موضوع الموضع |
|
الإسراء: ١ |
ما حول المسجد الأقصى |
|
مريم: ٣١ |
الإنسان النافع |
|
الأنبياء: ٥٠ |
ذكر مبارك |
|
الأنبياء: ٧١ |
أرض مباركة للعالمين |
|
الأنبياء: ٨١ |
ريح تجري إلى الأرض المباركة |
|
المؤمنون: ١٤ |
تبارك أحسن الخالقين |
|
المؤمنون: ٢٩ |
منزلا مباركا |
|
النور: ٣٥ |
شجرة مباركة |
|
السورة والآية |
موضوع الموضع |
|
النور: ٦١ |
تحية مباركة طيبة |
|
الفرقان: ١ |
تبارك منزل الفرقان |
|
الفرقان: ١٠ |
تبارك القادر على خير من مقترحاتهم |
|
الفرقان: ٦١ |
بروج وسراج وقمر |
|
النمل: ٨ |
بورك من في النار ومن حولها |
|
القصص: ٣٠ |
البقعة المباركة |
|
سبأ: ١٨ |
القرى المباركة وأمن الطريق |
|
الصافات: ١١٣ |
بركة لا تلغي المسؤولية الفردية |
|
السورة والآية |
موضوع الموضع |
|
ص: ٢٩ |
كتاب للتدبر والتذكر |
|
غافر: ٦٤ |
تبارك رب العالمين |
|
فصلت: ١٠ |
البركة والأقوات |
|
الزخرف: ٨٥ |
ملك السماوات والأرض |
|
الدخان: ٣ |
ليلة مباركة |
|
ق: ٩ |
ماء مبارك |
|
الرحمن: ٧٨ |
تبارك اسم ربك |
|
الملك: ١ |
الملك والقدرة |
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
صحيح البخاري — محمد بن إسماعيل البخاري.
صحيح مسلم — مسلم بن الحجاج.
جامع الترمذي — محمد بن عيسى الترمذي.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — محمد بن جرير الطبري.
تفسير القرآن العظيم — إسماعيل بن عمر ابن كثير.
معالم التنزيل — الحسين بن مسعود البغوي.
المفردات في غريب القرآن — الراغب الأصفهاني.
اقتضاء الصراط المستقيم — أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان — أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
جامع المسائل — أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، «مسألة عن الأحوال وأرباب الأحوال».
فتاوى عبد العزيز بن عبد الله بن باز المنشورة في موقعه الرسمي، في حدود المسائل المعزوة في الحواشي.
المدونة العربية القرآنية: معجم الجذر «ب ر ك».
تفصل الحواشي موضع الاستشهاد في كل مصدر، وتبين الرواية أو تفسير الآية أو موضع النقل. المقابلة هنا لمواضع الاستشهاد، ولا تعني قراءة جميع المصنفات المرجعية كاملة أو إنشاء حكم مستقل على الأسانيد.
مصدر النص القرآني الرقمي
مشروع تنزيل، النص الإملائي المشكول، الإصدار ١٫١. أثبتت الآيات من نصه دون تغيير، مع عزو السورة والآية. حقوق النشر لمشروع تنزيل ٢٠٠٧–٢٠٢٦؛ الترخيص: المشاع الإبداعي، نسبة المصنف ٣٫٠. يسمح بنقل النص وتوزيعه كما هو، ولا يسمح بتغييره. ويحفظ إشعار الحقوق عند نقله؛ ويمكن متابعة تحديثاته عبر موقع المشروع.
المصدر والتحديثات: tanzil.net
الحواشي والشواهد
-
الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة «برك». — الشاهد
-
صحيح البخاري (٦٣٣٤). — الشاهد
-
معجم ألفاظ القرآن في المدونة العربية القرآنية، الجذر «ب ر ك»: اثنان وثلاثون موضعا، وقوبلت مواضعه بآيات المصحف. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة هود، الآية ٤٨. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة هود، الآية ٧٣. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية ٥٤. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الأعراف، الآية ٥٤. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة المؤمنون، الآية ١٤. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة المؤمنون، الآية ١٤. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية ١. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية ١٠. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الفرقان، الآية ١٠. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية ٦١. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة غافر، الآية ٦٤. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الزخرف، الآية ٨٥. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الرحمن، الآية ٧٨. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الرحمن، الآية ٧٨. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الملك، الآية ١. — الشاهد
-
ابن تيمية، جامع المسائل، «مسألة عن الأحوال وأرباب الأحوال»، مطلع المسألة؛ والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فصل «وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما». إحالة لتقرير الفرق وضابط اتباع الوحي، لا نقل حرفي. — الشاهد ١؛ الشاهد ٢
-
صحيح البخاري، كتاب الدعوات، حديث ٦٣٣٤. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب المناقب، حديث ٣٥٨٠. البيدر: موضع جمع التمر. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث ٤١٠١. الكدية: أرض شديدة صلبة؛ العناق: الأنثى الصغيرة من المعز؛ البرمة: القدر؛ الأثافي: ما توضع عليه القدر. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب الأشربة، حديث ٢٠٥٥. الجهد: شدة الجوع؛ الشملة: كساء؛ الشفرة: السكين؛ حافلة: ممتلئ ضرعها باللبن؛ آذنتني: أعلمتني. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب العقيقة، حديث ٥٤٦٧. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب المناقب، حديث ٣٦٤٢. وتتمة الرواية في بيان طريق السماع وخبر الخيل: «قال سفيان كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال سمعه شبيب من عروة، فأتيته فقال شبيب إني لم أسمعه من عروة، قال سمعت الحى يخبرونه عنه. ولكن سمعته يقول سمعت النبي ﷺ يقول «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة». قال وقد رأيت في داره سبعين فرسا. قال سفيان يشتري له شاة كأنها أضحية». — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث ٧٥. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، حديث ٢٠٦٩. اللَّبِنة: رقعة تكون عند جيب الثوب. وميثرة الأرجوان: وطاء أحمر يوضع على السرج. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الدخان، الآية ٣. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الدخان، الآية ٣. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة النور، الآية ٣٥. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة النور، الآية ٣٥. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة القصص، الآية ٣٠. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة القصص، الآية ٣٠. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية ٩٦. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة آل عمران، الآية ٩٦. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب الحج، حديث ١٥٩٧، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية ١. — الشاهد
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة الإسراء، الآية ١. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الأنبياء، الآية ٧١. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الأنبياء، الآية ٨١. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الأنبياء، الآية ٧١. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية ١٣٧. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الأعراف، الآية ١٣٧. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة النمل، الآية ٨. — الشاهد
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة النمل، الآية ٨. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة سبإ، الآية ١٨. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة سبأ، الآية ١٨. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة فصلت، الآية ١٠. — الشاهد
-
الطبري، جامع البيان، تفسير سورة فصلت، الآية ١٠. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث ٢٤٧٣. صرمتنا: القطعة من الإبل؛ نصب أحمر: من كثرة الدم؛ عكن البطن: طياته؛ سخفة الجوع: ألمه. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة ق، الآية ٩. — الشاهد
-
البغوي، معالم التنزيل، تفسير سورة ق، الآية ٩. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، حديث ١٠٣٢. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، حديث ٨٩٨. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب الحج، حديث ١٣٧٣، عن أبي هريرة رضي الله عنه. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة، حديث ١٨٨٥، عن أنس رضي الله عنه. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، حديث ١٨٧. الهاجرة: شدة حر الظهيرة؛ العنزة: عصا في طرفها حديدة. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب الحج، حديث ١٣٠٥، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. — الشاهد
-
صحيح البخاري، كتاب الصلاة، حديث ٤٨٣، من خبر موسى بن عقبة. — الشاهد
-
عبد الرزاق، المصنف، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ٢/١١٨، أثر ٢٧٣٤؛ صحح إسناده ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ١/٢٨١. — الشاهد
-
جامع الترمذي، كتاب الفتن، حديث ٢١٨٠؛ قال الترمذي: حسن صحيح. أثبت لفظ هذه الرواية، وفيه «خيبر». — الشاهد
-
ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، فصل قصد الأمكنة التي صلى فيها النبي ﷺ، والكلام على فعل ابن عمر. — الشاهد
-
ابن باز، «حكم طلب الدعاء من الأخ لأخيه»، الموقع الرسمي، الفتوى (١٦٨١٢)؛ النقل بالمعنى. — الشاهد
-
صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث ٢٩٩٩. — الشاهد
-
القرآن الكريم، سورة الصافات، الآية ١١٣. — الشاهد