الرزق — المجلد الأول: معرفة الرزق وفقه العطاء — النص الكامل
صفحة الكتاب وتحميل PDF · مجلدات الكتاب
المجلد الأول | معرفة الرزق وفقه العطاء
الرزق
معرفة العطاء وفقه السعي وشكر النعمة
المجلد الأول
معرفة الرزق وفقه العطاء
مدارج
طبعة المجلدات الثلاثة • مراجعة ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
إهداء
إلى من يخرج في أول النهار يرجو كسبا طيبا، وإلى من يطول عليه الانتظار فلا يجد إلا باب الدعاء؛ إلى من يحمل هم أهل وولد، وإلى من يحاول أن يبدأ من جديد بعد خسارة أو مرض أو فقد.
وإلى كل من وسع الله عليه، فرجا أن يعرف حق ما في يده، وأن يكون في عطائه رحمة لغيره، وفي قلبه موضع للشكر لا تملؤه المقارنة.
هذه الصفحات صحبة في طريق نتعلمه جميعا. نسأل قارئها دعوة لنا ولوالدينا ولمن أعان على الخير، بالمغفرة والرحمة وصلاح العمل وحسن العاقبة.
هذا الكتاب وقفٌ لله تعالى
تأليف وتوزيع مدارج
فهرس المجلد
مدخل المجلد
ليس سؤال الرزق سؤالا عن المال وحده؛ ففيه معرفة بالمنعم، وبما تقوم به الحياة من إيمان وعلم وعافية وأمن ومودة. ويتسع النظر إلى هذه النعم من غير أن ينكر جوعا أو دينا أو حقا لم يصل إلى صاحبه.
يفتح هذا المجلد أصول المعنى: حقيقة الرزق، ووجوه العطاء، والعدل والحكمة في تفاوت المعايش، ثم النية التي يصحب بها المسلم طلبه وعمله. ويتناول المجلد الثاني السعي وأحكام الكسب وأسباب البركة وحفظ النعمة، ويخصص الثالث للتدريب والقياس والمتابعة.
تقرأ الفصول في تتابعها، أو يرجع إلى مبحث بعينه من الفهرس. وتستمر أرقام الفصول بين المجلدات لتسهل الإحالة؛ فالفصول من الأول إلى السادس والعشرين في هذا المجلد.
الباب الأول
حقيقة الرزق وأصول الاعتقاد فيه
كل حديث عن الزيادة يبدأ بمعرفة ما نريد زيادته. ما الرزق، وما علاقته بالنعمة والملك، وكيف يجتمع تقديره مع السعي إليه؟ ليست هذه أسئلة بعيدة عن الحياة؛ فعلى جوابها يبني الإنسان نظرته إلى عمله، وإلى ما فاته، وإلى حدود ما يجوز له أن يأخذه.
الفصل الأول
حين نتأمل ما رزقنا الله
قد تستولي الحاجة إلى المال على نظر الإنسان، فيغيب عنه ما في يديه من علم وعافية وصحبة. ومن فقه الرزق أن يعرف ما فقد وما وجد؛ فيسعى إلى حاجته ويشكر نعمته، من غير أن يجعل ذكر النعم بديلا عن إطعام الجائع وعلاج المريض وإنصاف المظلوم.
يبدأ فقه الرزق من هذه السعة. فالمال باب ظاهر، تحيط به أبواب قد لا تدخل حسابا مصرفيا: هداية تصحح وجهة القلب، وعلم يرفع الجهل، وعافية تعين على الحركة، ووقت يتسع للعمل، وصحبة تخفف وحشة الطريق. وبعض هذه العطايا سماه النص رزقا صراحة، وبعضها سماه نعمة أو هبة أو فضلا، ويصح إدراجه في الرزق بمعناه الواسع؛ أي ما يصل إلى العبد من عطاء ينتفع به.
عطاء للبدن وعطاء للقلب
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ورد القرطبي معنى الآية إلى ما بالناس من صحة وسعة وولد وسائر إنعام الله. وعند قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] ذكر معاني تشمل ما يدركه الإنسان في ظاهره وما يجده في باطنه. فالنعمة أوسع من الشيء الذي يستطيع المرء عده، أو عرضه على غيره.[١]،[٢]
عن أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه». قال «ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ». قال الراوي: أو كلمة نحوها. ثم قال: «وأحدثكم حديثا فاحفظوه». قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء».[٣]
عن عائشة، قالت ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها. قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة». قالت فأغضبته يوما فقلت خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني قد رزقت حبها».[٤]
يجعل حديث أبي كبشة للعلم منزلته المستقلة؛ فقد يفوت الإنسان مال غيره ويشاركه في صدق القصد وحب الخير. ويكشف خبر خديجة رضي الله عنها وجهًا آخر من العطاء: محبة بقي أثرها وفاءً بعد غياب المحبوب.
عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي عن أبيه وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا[٥]
وتجمع السنة بين الأمن والعافية وقوت اليوم في بيان أصول من الكفاية. وهذه نعم قد يألفها صاحبها حتى لا يشعر بها إلا إذا اختل واحد منها. فمن اطمأن في مسكنه، وسلم بدنه، ووجد طعام يومه، فقد اجتمعت له وجوه عظيمة من الخير، وإن بقيت له مطالب وآمال. الاعتراف بذلك يعينه على الشكر، ويذكره بمن فقد أمنه أو قوته، فيتحول العلم بالنعمة إلى رحمة وعمل.
لكل نعمة حقها
يمكن النظر إلى النعم بحسب محلها: نعم القلب، والبدن، والمعرفة، والعلاقات، والمعاش، والبيئة التي نعيش فيها. ويمكن النظر إليها بحسب ما تؤديه: ما يحفظ أصل الحياة، وما يحقق الكفاية، وما يزيد التيسير والجمال. وهذه وجوه للفهم، تتداخل ولا تحصر فضل الله. فقد يحفظ المال الصحة، وتعين الصحة على التعلم، ويفتح التعلم بابا لخدمة الناس والكسب.
لكل عطاء مسؤولية تناسبه؛ فشكر المهارة أمانة في استعمالها، وشكر الأمن حفظ لحقوق من يعيش معنا. ومن معرفة هذه العطايا ننتقل إلى معرفة المنعم سبحانه، الذي يرجع إليه أصلها جميعًا.
الفصل الثاني
الله الرزاق والقلب الذي يعرف رازقه
تصل النعمة إلينا على أيدي كثيرة: أجرة يدفعها صاحب عمل، وتعليم يبذله معلم، وطعام يحمله قريب، وفرصة يفتحها إنسان. نشكر هؤلاء على إحسانهم، ونعرف لهم حقهم، ثم نرد الفضل إلى الله الذي خلق العبد وقدرته، وهيأ له أسباب حياته. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فإذا استقر هذا الأصل في القلب، خف استعباد الخوف من الناس، وبقيت المعاملة معهم قائمة على العدل والأمانة.
سعة الربوبية ودقة العلم
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] والآية ترد أمر الخلق إلى علم الله ورزقه، حتى ما غاب عنا مستقره ومستودعه. فالإنسان لا يحيط بما يحتاج إليه بدنه، ولا بما تتوقف عليه لقمة يأكلها، فضلا عن أن يحيط بمعاش سائر الخلق. وهذه المعرفة تعلمه الافتقار من غير أن تعطل فكره أو يده.[٦]
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] تذكير بأن الرزق لا ينحصر في قوة المخلوق على جمعه وادخاره. ومع ذلك ثبت ادخار النبي صلى الله عليه وسلم قوت أهله؛ فيجتمع حسن الظن بالله مع تدبير الحاجة. وقد نبه القرطبي عند هذه الآية إلى هذا الجمع، ورد ما لا يستقيم من ذم الادخار بإطلاق.[٧]
سبق التقدير وحضور التكليف
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة – قال – وعرشه على الماء».[٨]
قال عبد الله حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة».[٩]
تثبت الروايتان سبق كتابة المقادير، ومن ذلك رزق الجنين وأجله وعمله. وعلم الله محيط بسعي العبد وما يحصل له، أما العبد فلا يعلم تفاصيل مستقبله؛ يعرف ما أُمر به، ويجتهد في الأسباب المتاحة له.
حين يعتدي الناس على أرزاق الناس
الإيمان بأن الله هو الرزاق لا يسقط حقوق الخلق؛ فمن حبس أجر العامل لم تبرأ ذمته بالاحتجاج بأن رزقه مكتوب. ونفصل صلة هذا الأصل بالجوع والظلم ومسؤولية المجتمع في الفصول الثامن عشر والتاسع عشر.
ولا يسوغ مع ذلك أن نجعل أصحاب الأموال مصدرا مستقلا للحياة، فنذل لهم في معصية الله، أو نبرر أذاهم خوفا من انقطاع العطاء. لهم ما أحسنوا، وعليهم ما ظلموا، والرزاق سبحانه أوسع فضلا من سبب واحد. وهذه الحرية في القلب تقترن بحسن الأدب: يشكر المرء من نفعه، ويطالب بحقه بوسيلته المشروعة، ويستعين بالله فيما يعجز عنه.
وتثمر معرفة الرزاق حرية القلب من استعباد الناس، مع شكر إحسانهم وأداء حقوقهم. ويبقى تمييز لا بد منه: كل ما يقع مقدر، ولكن ليس كل طريق إلى المال مأذونا فيه.
الفصل الثالث
الرزق بين الانتفاع والملك والحلال
قد يتساوى مالان في العدد، ويفترقان في الطريق الذي جاءا منه وفي الحق المتعلق بهما. هذه أجرة عمل أدي بأمانة، وتلك وديعة استولى عليها صاحبها؛ هذا ربح بيع مباح، وتلك زيادة محرمة. تشابه الأرقام لا يمحو اختلاف الأحكام. ومن أول ما يحتاج إليه طالب الرزق أن يعرف ما يملك، وما اؤتمن عليه، وما يحل له أخذه وإنفاقه.
تمييز يرفع الالتباس
عن مطرف، عن أبيه، قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ { ألهاكم التكاثر} قال «يقول ابن آدم مالي مالي – قال – وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت».[١٠]
وفي صحيح مسلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان من الافتتان بنسبة الأموال إلى نفسه إلى وجوه انتفاعه بها: ما استهلكه في حاجته، وما قدمه صدقة. لا يبطل ذلك ملك بقية المال ولا أحكام زكاته وإرثه؛ ولكنه يوقظ سؤال الثمرة. ما الذي صنعه هذا المال في صاحبه؟ وما الخير الذي بقي له منه؟ وبهذا يلتقي فقه المعاملة بفقه القلب، من غير أن يقوم أحدهما مقام الآخر.
بين ابن تيمية في مسألة حقيقة الرزق أن اللفظ يستعمل فيما ينتفع به العبد، ويستعمل فيما يملكه ملكا حلالا. فقد يأكل العبد من حلال أو حرام، فيسمى ما أكله رزقا باعتبار حصول الانتفاع ووقوعه في القدر؛ ولا يصير الحرام بهذا الاعتبار ملكا مشروعا. وقد يملك مالا حلالا ولا ينتفع به حتى يصير إلى وارثه. فهذا تحرير لمعنى الكلمة، وليس تسوية بين طرق الكسب.[١١]
ويحفظ هذا التمييز أصلا عظيما: ما قدره الله كونا لا يلزم أن يكون مما يحبه ويأمر به شرعا. فالسرقة تقع باختيار السارق، والله نهى عنها وأوجب رد الحق. ومن قال بعد ظلمه إن هذا رزقه المكتوب، خلط بين علم الله بالفعل وبين إذنه للعبد أن يفعله. عليه أن يترك الظلم ويتوب، وأن يؤدي إلى الناس حقوقهم بحسب ما تقتضيه أحكامها.
قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وجاء في الآية استثناء التجارة عن تراض. والرضا معتبر، لكنه لا يجعل كل اتفاق حلالا؛ فقد يتراضى طرفان على ما حرمه الله. لذلك لا يستغني المتعامل عن معرفة حقيقة العقد، وما فيه من التزامات ومخاطر وحقوق، ولا يكفيه اسم تجاري حسن أو رغبة مشتركة في الربح.[١٢]
طيب المطعم وأثره في القلب والعمل
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} وقال { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}». ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، «فأنى يستجاب لذلك».[١٣]
يجمع مشهد المسافر في الحديث بين شدة الافتقار وبين مانع يغفل عنه الداعي. فمن طلب بركة الرزق بدأ بإصلاح الطريق إليه، ولم يجعل الدعاء ستارا يبقي خلفه على حق مأخوذ أو غش معلوم.
ودلالة الحديث تحمل على التحري والتوبة، ولا تمنح الناس علما بخفايا كل مال أو بمصير دعاء شخص معين. فالواجب أن يصلح المرء ما علم من حاله، وأن يسأل فيما اشتبه عليه سؤالا يصف الواقعة بصدق. أما الاتهام بمجرد الظن فيجمع إلى القلق ظلما آخر، وقد يصد الإنسان عن الدعاء الذي يحتاج إليه ليصلح نفسه.
عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام».[١٤]
يوقظ هذا التحذير سؤالا لصاحب المهنة: هل بقيت حدود الله حاضرة حين كثرت الفرص واشتدت المنافسة؟ ويبدأ حفظ الحلال من القدرة على رفض ربح لا يستقيم طريقه.
ما في اليد ليس كله حقا لصاحبها
في حساب التاجر قد يجتمع ماله مع ثمن لمورد، وأجرة لعامل، ووديعة لعميل، ونصيب لشريك. كثرة الرصيد لا تعني أن جميعه فائض مباح. ومن حسن الفقه أن يفصل الحقوق قبل أن يوسع نفقته أو يعد نفسه بالغنى. وينطبق ذلك على المال الذي يقبضه وكيل أو مسؤول عن تبرعات؛ فصحة المقصد لا تمنحه التصرف خارج حدود أمانته.
وتختلف معالجة المال المحرم باختلاف سببه: فحقوق أصحاب الأموال، والربح الناشئ عن عقد محرم، والمال المختلط، وما قبضه صاحبه جاهلا بالحكم، مسائل ليست صورة واحدة. الثابت الذي يبدأ منه الإصلاح هو ترك المخالفة، وصدق الندم، والعزم على الاستقامة، وأداء الحقوق أو طلب الحكم الخاص بها ممن يفهم الواقعة. ولا يصح أن يستبدل رد الحق بصدقة يختارها المعتدي لنفسه مع إمكان إيصاله إلى صاحبه.
ولا يقتضي التحري وسواسا يعطل المعاملة؛ يتعلم المرء ما يحتاج إليه من أحكام عمله، ويسأل عند وجود موجب معتبر، ويصلح ما تبين له من خطأ. وبعد تمييز الحلال من الحرام يأتي سؤال الزيادة: كيف تزيد الأرزاق مع سبق المقادير؟
الفصل الرابع
زيادة الرزق في قدر الله
حين يسمع الإنسان أن رزقه مكتوب، قد يتوهم أن السعي لا يغير شيئا؛ ثم يقرأ الوعد ببسط الرزق بصلة الرحم، فيسأل كيف يجتمع الأمران. ومفتاح الجواب أن علم الله لا يلحقه جهل، وأن الكتابة لم تستثن الأسباب من نتائجها. فقد علم سبحانه ما يفعل العبد وما يتركه، وما يحصل له بسبب فعله، وما يأتيه من غير اكتساب منه.
ما سبق به العلم وما يقع بالأسباب
يفرق ابن تيمية بين ما علم الله أنه يرزقه العبد، وهذا لا يتغير، وبين ما يكتب للملائكة متعلقا بالأسباب فتقع فيه الزيادة والنقص بحسبها. وفي المسألة نفسها يقرر أن ما قدر حصوله بالاكتساب لا يحصل بدون اكتساب، وأن رزقا آخر قد يأتي من غير ذلك، كالإرث. فالقدر يشمل الطريق والعطاء الذي يقع به معا.[١٥]
ويؤكد ابن القيم هذا الأصل في منزلة التوكل من «مدارج السالكين». فهو يرد الاعتراض الذي يحصر الأمر في أن المطلوب إن قدر حصل بلا سبب، وإن لم يقدر لم ينفع السبب. ويبين أن من التقدير حصول المطلوب عند فعل سببه؛ فالشبع يرتبط بالأكل، والوصول يرتبط بالسفر، والدعاء والتوكل من الأسباب التي نصبها الله. ومن تمام التوكل مباشرتها مع اعتماد القلب على الله.[١٦]
الوعد ببسط الرزق
عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه».[١٧]
يصل المؤمن رحمه رجاء مرضاة الله وفضله، ويصدق الوعد ببسط الرزق والنسء في الأثر. أما مقدار الزيادة ووقتها وصورتها فلم يعينها الحديث، فلا يعينها أحد من عند نفسه.
وشرح العلماء الزيادة في العمر بوجوه، منها البركة في العمل والنفع، ومنها ما يتعلق بالكتابة التي تظهر للملائكة مع سبق العلم الإلهي. وليس ذكر هذه الوجوه إلغاء لظاهر الحديث أو قولا إن الله علم شيئا بعد أن لم يكن يعلمه. كما أن تفسير ما ورد في الأجل لا ينقل إلى كل حديث في المال من غير نظر؛ فلكل نص لفظه وسياقه.[١٨]،[١٩]
قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وقد ذكر المفسرون أقوالا في متعلق المحو والإثبات. ويكفينا هنا أن نحفظ إحاطة علم الله، وأن نثبت ما ثبت من الأسباب والوعود؛ أما تفصيل الغيب وتحديد أوقات للكتابة وأعداد للزيادة، فيحتاج إلى دليل يخصه.[٢٠]
الرجاء الذي يصحب العمل
يجتمع في هذا الباب تصديق الوعد وبذل السبب، مع الوقوف عند حدود العلم. فلا يحتج العبد بقدر لم يطلع عليه ليترك العمل، ولا يستنتج من مقدار مال إنسان حكما على منزلته عند الله.
الباب الثاني
أنواع الأرزاق ومجالات النعم
نتتبع وجوه العطاء من الإيمان والعلم إلى القدرة والعافية والوقت، ثم الأسرة والصحبة والأمن والموارد والمال. وفي كل باب ننظر إلى منفعة النعمة وحقها، وما يمكن فعله لحفظها ونفع الناس بها.
الفصل الخامس
الإيمان والهداية وصلاح القلب
من أعظم ما يرزقه الإنسان أن يعرف وجهته. قد تتسع له الوسائل، ثم يبقى حائرا فيما يصنع بها؛ فإذا هداه الله إلى الإيمان، عرف لمن يعيش، وبأي ميزان يختار، وإلى أي مآل يسير. تتغير عندئذ قيمة المال في نفسه: يفرح بما يعينه على الخير، ويحزن لما فاته من غير أن يبيح لنفسه كل طريق إليه. وهكذا تبدأ نعمة القلب في توجيه حركة اليد.
الهداية عطاء يتجاوز أثره الدنيا. وتذكر سورة الحجرات محبة الإيمان وتزيينه في القلوب [الحجرات: ٧]، وتنسب نعمة الهداية إلى الله [الحجرات: ١٧]؛ فيعرف المسلم فضل ربه في صلاح وجهته.
ولا تختزل هذه النعمة في شعور مريح دائم. فالمؤمن قد يحزن ويخاف ويتألم، وقد يبتلى بما لا يملك دفعه. وصلاح القلب يظهر في وجهة العبودية وصدق الرجوع إلى الله، وليس في انعدام المشاعر الإنسانية. وآية التغابن ١١ تربط الإيمان بهداية القلب عند المصيبة؛ فتصل بين التصديق وبين حسن استقبال ما نزل.
كما لا يجوز فصل الهداية عن أسبابها التي أمر الله بها: العلم والسؤال والتفكر والعمل والتوبة. فالمنة لله لا تعفي الإنسان من الاستجابة. وتفاوت الناس في العلم والقدرة على الوصول إلى التعليم يجعل تبليغ الحق برفق وإزالة العوائق عملا نافعا، بدل الاكتفاء بمحاسبة الآخرين على ما لم تتح لهم معرفته.
وللهداية ثمرة في بقية أبواب الرزق. فقد يحجز الإيمان صاحبه عن ربح محرم، ويقوده إلى إنفاق لا يراه الحساب المالي المجرد مكسبا. وهذا لا يبيح وصف كل نجاح دنيوي بأنه دليل هداية، ولا كل تعثر بأنه ضعف إيمان.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه».[٢١]
ويبين حديث الإسلام والكفاف والقناعة اجتماع ثلاثة معان: أصل الدين، وكفاية المعاش، وسكون النفس إلى ما آتاها الله. لا يصح أن يستعمل الحديث لإسقاط حق من لم يجد كفافه؛ فالثناء على القناعة لا يطعم جائعا ولا يسدد نفقة واجبة. بل يقتضي الاعتراف بالكفاف حاجة حقيقية يجب السعي إليها وإعانة المحتاج على بلوغها. ومن كان في سعة جاز له أن ينتفع بما أحل الله مع أداء الحقوق.
من ثمرات الهداية سلامة القلب من الحسد؛ فيفرح بنجاح غيره، ويسعى لتحسين حاله والمطالبة بحقه بدافع وطريق صحيحين.
سؤال الهداية مع سؤال الكفاية
يتكرر طلب الهداية في صلاة المسلم، فيظل محتاجا إليها وإن كثر علمه وطالت خبرته. وفي حياة المعاش تظهر هذه الحاجة عند الاختيار: أأقبل الربح الذي أخشى حرمته، أم أصبر على طريق أبطأ وأبين؟ كيف أؤدي حق من يعمل معي؟ وبم أستعين على ما في نفسي من حسد أو ضيق؟ ليست الهداية معرفة نظرية فقط، بل توفيق إلى إرادة الحق والعمل به والثبات عليه.
لا يستصغر الإنسان نعمة تعرفه بخطئه؛ فقد يكون التنبه إلى ظلم اعتاده بداية صلاح في بيته وعمله، وتكون النصيحة أنفع من ربح يسره ساعة. يقبل التصحيح، ويرد الحقوق، ويسأل الله الثبات.
الفصل السادس
العلم والحكمة وحسن الفهم
قد يخرج الإنسان من مجلس علم كما دخل من جهة ماله، وقد تغيرت حياته من جهة أخرى: فهم حقا كان يضيعه، أو عرف حرفة يقتات منها، أو انكشف له خطأ كاد يوقعه في ضرر. لا تظهر هذه الزيادة كلها في يومها، لكنها تعيد ترتيب اختياراته. ومن هنا كان العلم رزقا يتسع أثره كلما أحسن صاحبه العمل به وبذله.
العلم منفعة تتجاوز صاحبها، ووسيلة لحسن عبادة الله وفهم الحياة وصيانة الحقوق. وفي البقرة ٢٦٩ تعظيم لعطاء الحكمة، وفي طه ١١٤ تعليم طلب الزيادة من العلم. والعلم النافع يشمل ما يصحح الاعتقاد والعبادة والمعاملة، كما يدخل في عموم النفع تعلم ما تحتاج إليه مصالح الناس من أعمال وصناعات.
والحكمة ليست مرادفا لكل ذكاء أو سرعة جواب. فقد يحسن الإنسان الوصول إلى غرض عاجل ويخطئ في تقدير عاقبته الأخلاقية. ويجمع البحث بين القدرة على الفهم وبين معرفة ما ينبغي فعله؛ فلا يكفي أن يكون الطريق ناجحا في تحصيل المال حتى يكون صحيحا في الشرع.
ومن شكر العلم إحسان نقله ونسبة القول إلى قائله وبيان حدود المعرفة. وفي موضوع الرزق بالذات قد يضر العالم أو الواعظ إذا نسب وعدا خاصا إلى الشريعة بلا دليل، أو أفتى في معاملة لم يفهم حقيقتها. ومن تمام الأمانة أن يقال «لا أعلم»، وأن يميز النص الثابت من اجتهاد صاحبه ومن خبرته المحدودة. وهذا المعنى يشمل صاحب المهنة الذي يدرب غيره، والوالد الذي يعلم ولده، والباحث الذي يحفظ للمصادر ألفاظها وسياقاتها.
الفهم الذي يحفظ الحقوق
يفصل البحث بين تحصيل المعلومة وحسن الفهم والحكمة في التصرف. قد يجمع المرء معلومات كثيرة ولا يحسن وزنها، وقد تكون له خبرة عملية نافعة لا يصح أن يسميها علما شرعيا. وذكر هذه الفروق يصون الاختصاص: فيسأل الفقيه عن الحكم بحسب ما يعرف من الواقعة، ويسأل صاحب الخبرة عن وصفها وآثارها، ثم لا يستغني أحد الجانبين عن الآخر عندما تتداخل المسائل.
علم نحتاج إليه اليوم
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وليس كل ما يمكن معرفته في مرتبة واحدة من حاجة الإنسان إليه. فمن دخل سوقا احتاج إلى معرفة أحكام معاملته، ومن تولى مال غيره احتاج إلى فهم أمانته، ومن أقبل على أسرة احتاج إلى حقوقها. يقدم المرء ما يصحح فرضه وما يمنع ضرره، ثم يتسع بحسب قدرته وحاجة الناس.
عن حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».[٢٢]
الفقه نعمة تعرف الإنسان بمراد الله، وتعينه على وزن ما يعرض له. وهو يضبط خبرته ويوجهها، ولا يغني عن تعلم حقيقة العمل الذي يريد الحكم عليه.
ويستطيع صاحب العلم أن يوسع نصيب غيره منه: يشرح للصغير، ويدرب المبتدئ، ويصحح خطأ زميله برفق، ويبين للمشتري ما يخفى عليه. وقد يجتمع في ذلك أجر مباح ونفع متعد، فلا يلزم أن يكون كل تعليم مجانيا حتى يكون إحسانا. الأمانة في الأداء، وصدق وصف القدرة، ووضوح الاتفاق تحفظ حق المعلم والمتعلم معا.
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها».[٢٣]
وحين أثنت السنة على من أوتي الحكمة فقضى بها وعلمها، قرنت المعرفة بثمرة العمل والتعليم. وهذا يوسع طموح المتعلم: يسأل عما يحسنه بالفعل، وعن المشكلة التي يستطيع أن يعين في حلها، لا عن اللقب الذي يضاف إلى اسمه وحده.[٢٤]
الفصل السابع
الذكاء والمهارة والعمل المتقن
بين من يعرف اسم الحرفة ومن يحسن أداءها مسافة يقطعها التعلم والصبر والتجربة. وفي هذه المسافة نعم كثيرة: استعداد يفهم، ومعلم يدل، ووقت يسمح بالمحاولة، وأداة يعاد بها العمل حتى يستقيم. إذا تذكر صاحب المهارة ذلك، شكر فضل الله، وعرف قيمة جهده، وحفظ حق من أعانه. ثم صار سؤاله عن قدرته أعمق من السؤال عن أجرها: كيف أجعلها نافعة مأمونة؟
تجمع قصة طالوت بين العلم وقوة الجسم [البقرة: ٢٤٧]، وتعرض قصة داود تعليم الصنعة [الأنبياء: ٨٠]، وتربط قصة موسى الاستئجار بالقوة والأمانة [القصص: ٢٦]. وهذه نصوص تجعل القدرة النافعة موضوعا أصيلا في الرزق؛ فالمهارة عطاء ينتفع به المرء في نفسه، وقد تكون سببا ينتفع به غيره ويحصل به كفايته.
ويحتاج معيار الكفاءة إلى عنصر الأمانة. فمن كان قادرا على العمل لكنه يغش فيه لم يجمع الوصفين الواردين في سياق قصة موسى. وفي المقابل لا تكفي النية الحسنة لإسناد عمل يحتاج خبرة دقيقة إلى غير مؤهل له. والتأهيل والإشراف والمحاسبة وسائل لتنفيذ هذا المعنى بحسب طبيعة المهنة، وليست مقادير تعبدية ثابتة.
القدرة والفرصة
القدرة على الفهم وسرعة التعلم وحسن التصرف في الأدوات من أوجه الانتفاع بما وهب الله الإنسان من سمع وبصر وفؤاد. وإدراجها في الرزق بالمعنى الواسع صحيح من هذه الجهة، لكن لفظ الذكاء بمقاييسه المعاصرة ليس هو لفظ الحكمة في القرآن، ولا يصح جعل درجة اختبار معين مقياسا للتقوى أو لكرامة الإنسان. الحكمة تتصل بحسن العلم والعمل ووضع الأمر في موضعه، وقد يكون الإنسان سريع الحساب ثم يسيء الحكم في حق نفسه أو غيره.
وفي المهارة عنصر موهوب وعنصر مكتسب. اختلاف الاستعدادات لا يبطل أثر التعليم والتدريب، كما أن أثر التدريب لا يقتضي أن الناس يبدؤون من ظروف متساوية. قد يحول المرض أو الفقر أو غياب المعلم دون ظهور استعداد موجود. ولهذا لا يصح أن تفسر قلة دخل الإنسان دائما بقلة ذكائه، ولا أن تعد الثروة شهادة على التفوق الخلقي أو العقلي. هذه أحكام تتجاوز الدليل وتغفل أثر الفرص والحقوق وأحوال السوق.
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شىء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان».[٢٥]
ومما يضبط هذا الباب حديث «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز». الحرص يطلب اختيار ما ينفع وبذل الوسع، والاستعانة تحفظ معرفة مصدر القدرة، والنهي عن العجز يحارب الاستسلام الذي يقدر المرء على دفعه. ولا يستفاد من ذلك لوم من عجز عجزا حقيقيا، ولا إلزام كل إنسان بمهنة واحدة أو بمعدل إنجاز واحد. التكاليف تتعلق بالاستطاعة، والتوجيه العملي يراعي حال المتعلم والعامل.
صنعة يشكر بها صاحبها
قال تعالى في داود عليه السلام﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] اجتمع في الآية تعليم الصنعة وبيان نفعها والدعوة إلى الشكر. فالمهارة النافعة تمتد إلى من ينتفع بنتيجتها، ولا تقف عند صاحب الأداة.[٢٦]
عن المقدام ـ رضى الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ـ عليه السلام ـ كان يأكل من عمل يده».[٢٧]
يكرم الحديث الكسب المشروع، وقد يكون إتقان الحرفة المتاحة أنفع من تنقل وراء صورة مهنة يراها صاحبها عند غيره.
ومن ثمرات الأمانة المهنية أن يقول العامل بوضوح ما يعرفه وما لا يعرفه، وأن يطلب الإشراف في أول تعلمه، وأن يصحح العيب إذا تبين له. الاعتراف بحدود القدرة يحمي الناس ويمنح التعلم طريقا صادقا. أما ادعاء الخبرة قبل تحصيلها فقد ينقل كلفة التجربة إلى من وثق بصاحبها. وهذه معان تزداد أهميتها كلما اتصل العمل بالنفس أو المال أو حق من لا يستطيع دفع الضرر عن نفسه.
ومن تيسير الكسب إتاحة الأداة ووقت التدريب، ومساعدة صاحب المسؤوليات في رعايتها.
الفصل الثامن
الصحة والعافية وحقوق البدن
قد يعرف الإنسان قيمة خطوة حين تثقل عليه، وقيمة نوم هادئ حين يطول أرقه، وقيمة نفس سليم حين يضيق صدره. كانت هذه المنافع حاضرة في يومه حتى ألفها، ثم نبهه فقدها إلى عظيم قدرها. والعافية رزق يستحق الشكر في أيام القدرة، كما يستحق من فقد شيئا منها الرحمة والرعاية وصيانة الكرامة.
أما المريض أو ذو الإعاقة فلا يصح تصويره إنسانا خلا من الرزق أو نقصت منزلته عند الله. قد يفقد منفعة بعينها وتبقى له نعم وحقوق أخرى، وقد يحتاج إلى رعاية طويلة لا يعوضها خطاب تفاؤل عابر. ومن فقه الرزق هنا حفظ كرامته وتيسير عبادته وعمله بحسب استطاعته، ودعم القائمين على رعايته، وتجنب وعده بشفاء معين لم يدل عليه دليل.
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أنه قال لأبيه يا أبة إني أسمعك تدعو كل غداة اللهم عافني في بدني اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري لا إله إلا أنت تعيدها ثلاثا حين تصبح وثلاثا حين تمسي. فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن فأنا أحب أن أستن بسنته. وفي رواية العباس بن عبد العظيم، أحد شيخي أبي داود، زيادة: «وتقول اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت تعيدها ثلاثا حين تصبح وثلاثا حين تمسي فتدعو بهن فأحب أن أستن بسنته». قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت». وعقب أبو داود بقوله: «وبعضهم يزيد على صاحبه».[٢٨]
تجمع هذه الدعوة سؤال العافية والافتقار إلى رحمة الله. وقد يعرف الإنسان قيمة عضو سليم حين يتألم، أو قيمة نوم هادئ حين يطول سهره؛ فيسأل العافية قبل فقدها ويشكرها بحسن رعايتها.[٢٩]
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم وأصلي الليل، فإما أرسل إلى، وإما لقيته، فقال «ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام، فصم وأفطر، وقم ونم، فإن لعينك عليك حظا، وإن لنفسك وأهلك عليك حظا». قال إني لأقوى لذلك. قال «فصم صيام داود ـ عليه السلام ـ». قال وكيف قال «كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى». قال من لي بهذه يا نبي الله قال عطاء لا أدري كيف ذكر صيام الأبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا صام من صام الأبد». مرتين.[٣٠]
للبدن حق في النوم والراحة، وللأهل حق في حضور صاحبهم ورعايته. فلا يكون الاجتهاد في العبادة ذريعة إلى إهدار هذه الحقوق.
عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال قلت يا رسول الله أى الناس أشد بلاء قال «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».[٣١]
قد يجتمع شدة البلاء مع علو المنزلة، فلا يستدل بمرض معين على ضعف إيمان صاحبه.
حفظ القدرة من غير استنزاف
عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ».[٣٢]
يخسر الإنسان من منافع صحته حين يستنزفها فيما يضره، ومن منافع فراغه حين يؤخر به حقا يستطيع أداءه. والتنبه للنعمة يدعوه إلى الانتفاع بها في وقتها.
ومن حسن الانتفاع أن يوازن بين ما يطلبه العمل وما يحتاج إليه الجسد والأهل. قد يغري العائد القريب بمزيد من الساعات، لكن القرار الرشيد ينظر كذلك إلى الاستمرار وإلى الواجبات التي قد تضيع. ولا يلام العامل المضطر كما يلام من يملك الاختيار؛ فعدالة ظروف العمل وتخفيف المشقة مسؤولية تشارك فيها الأسرة وصاحب العمل والمجتمع.
عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل».[٣٣]
يربط الحديث حصول الشفاء بإذن الله وإصابة الدواء للداء. فطلب العلاج من أهله والأخذ بالأسباب لا ينافيان الافتقار إلى الله، ولا يجيزان ضمان الشفاء لشخص بعينه.
وحين تطول رعاية مريض، تظهر نعم أخرى ربما خفيت: صبر قائم على خدمته، وتعاون أهل يخفف الحمل، وتيسير يتيح له التعلم أو العمل أو التواصل. لا تمحو هذه النعم ألم المرض، لكنها تستحق الحفظ. كما تستحق الرعاية أن تتوزع بعدل، حتى لا يبقى القائم بها وحده مثقلا بما يعجز عنه.
الفصل التاسع
العمر والوقت والفراغ
لا يدخل الوقت إلى أيدينا دفعة واحدة، بل يأتي يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة. وقد ننتظر فراغا واسعا نبدأ فيه ما نحب، بينما تمر بين أيدينا فرص صغيرة تكفي لخطوة نافعة. من فقه العمر أن نعرف قيمة المتاح، وأن نميز بين واجب حاضر وأمل يحتاج إلى تدبير طويل، ثم نعطي كلا حقه بقدر استطاعتنا.
العمر وعاء الأعمال، والوقت الذي ينقضي لا يستعاد على الحقيقة. ومن ثم يدخل في دراسة الرزق من جهة كونه فرصة للعبادة والتعلم والقيام بالحقوق، مع الانتباه إلى أن طول العمر وحده لا يثبت حسن استعماله. وتعرض سورة العصر خسارة الإنسان وتستثني الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، فتصل الزمن بوجهته.
ويتفاوت الناس في الوقت المتاح كما يتفاوتون في المال. من يرعى مريضا أو يعمل ساعات طويلة لتحصيل الكفاية قد لا يملك فراغ غيره. لذلك لا يفسر كل نقص في إنجازه بالكسل، ولا توضع برامج تزكية تتجاهل واجباته وقدرته. وقد يكون إحسانه في الرعاية نفسها من أعظم ما يعمر به يومه.
وحفظ الوقت يحتاج ترتيب الحقوق، وتحديد العمل الممكن، وتقليل ما يستنزف العمر دون نفع. وهذه وسائل تنظيمية يختار الإنسان ما يناسبه منها، ولا يثبت لها عدد شرعي أو ثواب مخصوص من غير نص. والميزان الذي يوجهها أن يسأل عن العمل الواجب الذي ينتظره، وعن النفع الذي يستطيع تحقيقه، وعن الراحة التي تعينه على الاستمرار؛ فالراحة بحقها ليست نقيضا لشكر الوقت.
الاستعداد للآخرة وتدبير الحياة
ويتسع تدبير الوقت للراحة وصحبة الأهل؛ فليست قيمة اليوم بكثرة ما يملأ ساعاته، وإنما بحسن وضع كل عمل في موضعه.
يوم يتسع للحقوق
عن عبد الله بن عمر ـ رضى الله عنهما ـ قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.[٣٤]
يوقظ التوجيه النبوي الشعور بقصر الإقامة والاستعداد لما بعدها. والكلام الأخير في اغتنام الصحة والحياة من قول ابن عمر رضي الله عنهما، كما تبينه الرواية.
وليس من حسن الوفاء بالعمر أن تتزاحم عليه رغبات لا حد لها. قد يفتح الإنسان لنفسه أبوابا كثيرة ثم يضعف عن أداء أصل مسؤوليته. ومن التدبير أن يعرف عمله الأهم في مرحلته: طالب يهيئ نفسه لعلم نافع، أو والد يقوم برعاية، أو مدين يجتهد في الوفاء، أو مريض يحفظ قدرته على التعافي. تختلف الصور، ويبقى تقديم الحق الذي تعين أصلا يجمعها.
ومن محاسبة الوقت معرفة ما استوفى حقه وما تأخر، ثم اختيار إصلاح يمكن الاستمرار عليه. وفي المجلد الثالث نموذج لتسجيل ذلك ومراجعته.
الفصل العاشر
الزواج والذرية ورزق الأسرة
في البيت نعم لا تظهر في أثاثه ولا في مساحته: سكن يجد فيه المرء من يسمعه، ورحمة تعينه إذا ضعف، وطفل تنمو به مسؤولية من يرعاه. وقد يرجو إنسان بعض ذلك فلا يتيسر له، أو يفقده بعد أن أنس به. لذلك يحتاج الكلام عن رزق الأسرة إلى فرح بالعطاء ورحمة بالمحروم، وإلى حقوق تحفظ النعمة حين توجد.
الزواج والذرية من أبواب الهبة والابتلاء معا. ففي الروم ٢١ يذكر السكن والمودة والرحمة، وفي الشورى ٤٩ و ٥٠ يذكر عطاء البنات والبنين واجتماعهما والعقم. ومن ثم لا يستقيم تقسيم الأولاد إلى رزق مرغوب وعبء مذموم بحسب الجنس، ولا جعل الإنجاب معيارا لرضا الله عن الأسرة.
الزواج والذرية بين وعد الإعانة وتكاليف الرعاية
الزوج الصالح والولد من أبواب الهبة والسكن، ومن أسباب امتداد الرحمة والمسؤولية خارج حدود النفس. غير أن النظر إليهما بوصفهما رزقا يجب أن يحفظ شخصيتهما وحقوقهما؛ فالزوج ليس أداة لرفع الدخل، والولد ليس استثمارا ماليا يطلب منه رد نفقات تربيته. في القرآن وصف للذرية بالهبة، ووصف للمال والبنين بالزينة، وتنبيه إلى الفتنة والمسؤولية. تجمع هذه الأوصاف بين الفرح بالعطية واليقظة لما تقتضيه من تكليف.[٣٥]
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف».[٣٦]
وفي حديث أبي هريرة: «ثلاثة حق على الله عونهم»، وذكر منهم «الناكح الذي يريد العفاف». موضع الوعد متعلق بمن قصد العفاف، وليس فيه تحديد مبلغ يملكه بعد الزواج، ولا إسقاط لحقوق الزوجة، ولا تزكية لكل نفقات الأعراس. يكون رجاء الإعانة باعثا على الصدق والسعي وحسن الاختيار، ولا يحول دون تقدير السكن والنفقة والديون والقدرة الواقعية على القيام بالعقد.
وتقرأ آية ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] مع الآية التالية التي تأمر من لا يجد نكاحا بالاستعفاف حتى يغنيه الله من فضله [النور: ٣٣]. ففي السياق حث على تيسير الزواج، ورجاء فضل الله، واعتراف بحال من لا يجد القدرة في الوقت الحاضر. لا يستقيم أن يؤخذ شطر السياق لإلزام كل معسر بزواج فوري، أو ليضمن له أحد ثروة عاجلة. كما لا يستقيم أن تتحول المخاوف إلى منع مطلق للزواج مع تيسر أسبابه، أو إلى إغلاق باب التعاون العائلي والاجتماعي المشروع.
عن أنس ـ رضى الله عنه ـ قال قالت أمي يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له. قال «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته».[٣٧]
يصح سؤال الله كثرة المال والولد مع البركة فيهما، كما في دعائه لأنس رضي الله عنه. ويقتضي شكر العطاء أداء حقوق من يعول المرء، فلا تتحول الكثرة إلى إهمال للرعاية.
من تأخر زواجه أو لم يولد له لا تنقص كرامته، ولا يصح الجزم بسبب غيبي لحاله. ويحفظ الناس خصوصيته، ويواسونه دون أسئلة جارحة. وتبقى له أبواب من التعليم والرعاية والإحسان، مع الاعتراف بما يجده من ألم الفقد.
النفقة والرعاية من شكر الهبة
عن عائشة، أن هند بنت عتبة، قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».[٣٨]
في خبر هند رضي الله عنها أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف من مال زوجها الذي شكت إمساكه. موضع الشاهد ثبوت حق الكفاية ورعاية المعروف، مع بقاء تفاصيل استيفاء الحقوق المتنازع فيها موضع فقه وقضاء؛ فلا تتحول الواقعة إلى إذن مفتوح لكل نزاع عائلي.
وتشمل الرعاية ما لا يدخل تحت ثمن مباشر: وقتا يسمع فيه الوالد ولده، وعدلا بين الأبناء، وتعاونا عند المرض، واحتراما لخصوصية الزوجين. ومن الخطأ أن يستغرق طلب المال هذه المعاني حتى يصبح أهل البيت مجرد جهة إنفاق؛ فقد يحتاجون إلى حضور صاحبهم بقدر حاجتهم إلى ما يأتي به. ويتعلم كل بيت أن يوازن بحسب ظرفه، من غير مقارنة ظالمة ببيت يختلف عنه في القدرة والواجبات.
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».[٣٩]
من خير متاع الدنيا زوجة صالحة؛ ويقوم صلاح العشرة على أداء الحقوق والرفق والوفاء، لا على مطالبة الطرف الآخر بأن يكون مصدر راحة بلا حاجة أو ضعف.
الفصل الحادي عشر
الصحبة والمحبة والتكافل
قد يتسع الطريق بكلمة صادقة من صديق، أو نصيحة في وقت حيرة، أو زيارة تشعر المريض بأنه لم ينس. هذه عطايا تمر عبر البشر، ولا تنقص قيمتها لأنها لا تباع. ومن عرفها شكر الله على من أحسن إليه، ثم سأل نفسه عما يستطيع أن يبذله لغيره من وفاء وعون.
ولا يراد بإدخال العلاقات في الرزق أن يصبح الناس أدوات لمصلحة الفرد. فالصداقة التي لا تعرف إلا ما تقدمه لصاحبها تفقد معنى الوفاء. ويجمع الإحسان بين الانتفاع المشروع وبذل النفع، وبين حسن الظن وحفظ الحدود التي تمنع الاستغلال. والصاحب الناصح قد يخالف الإنسان فيما يحب، فيكون نفعه في منعه من ضرر لا في تسهيل كل رغبة.
يراعي الإيثار حقوق النفس والعيال؛ فلا يبنى تبرع على إضاعة نفقة واجبة. وفي تعاون الأنصار والمهاجرين تنوعت صور النفع بين قبول العطاء ومباشرة السوق، بحسب حاجة المعطى وقدرته.
محبة لا تبتلعها المصالح
عن أبي موسى ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».[٤٠]
يترك القرب المتكرر أثره في الكلمة والعادة والميزان الذي نقيس به الناس. ومن رعاية النفس اختيار صحبة تعين على الصدق والرحمة وأداء الحقوق، ومعالجة ما يجرها إلى خلاف ذلك.
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية. قال هل لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحببته في الله عز وجل. قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه».[٤١]
للزيارة والمحبة قيمة تتجاوز تبادل المصالح. وقد يحتاج المحتاج إلى صدق الصحبة والإصغاء قبل حاجته إلى النصائح الكثيرة.
وتبقى المعاملة المالية بين الأحبة محتاجة إلى وضوح. فإذا اشتركوا في عمل عرف كل واحد حصته وواجبه، وإذا اقترض بعضهم من بعض كتبوا ما يحفظ الحق. التوثيق يعين المحبة على البقاء حين تتغير الأحوال أو يختلف التذكر. وقد يصعب طلب الحق من قريب لأن السؤال يثقل على الطرفين؛ فتسبق الكتابة هذا الحرج وتقي ما تستطيع من النزاع.
ومن التكافل أن يحسن المرء اختيار صورة المساعدة. فقد يحتاج صاحبه اليوم إلى نفقة عاجلة، ويحتاج غدا إلى تدريب أو تعريف بعمل، ويحتاج في الحالين إلى ألا تجرح كرامته. يسأله عن حاجته، ويترك له مساحة الاختيار، ويعينه بما يقدر عليه من غير منة.
الفصل الثاني عشر
الأمن والسكن والاستقرار
حين يعود الإنسان إلى بيت يأمن فيه، يستطيع أن يترك بعض خوفه عند الباب، وأن يجمع أهله على طعام، وأن يخطط لغده. وقد تكون هذه القدرة نفسها أمنية من شرد أو هدد أو عجز عن مأوى. إن قيمة السكن تظهر في الحياة التي يحفظها، كما تظهر قيمة الأمن في المصالح التي يتيح للناس القيام بها.
وتتصل نعمة الأمن بسلوك الأفراد والمؤسسات. حماية الأرواح والحقوق ومنع الاعتداء والغش وتيسير وصول المحتاج إلى ضروراته أعمال بشرية لها مسؤوليتها. وليس الثناء على الأمن مانعا من المطالبة بإصلاح مظلمة، كما لا يجوز اتخاذ الخوف وسيلة للاستيلاء على أموال الضعفاء أو إسكات شكاواهم المشروعة.
قد يقطع التهجير التعليم والعمل والعلاج والصلة بالأهل معا؛ فتحتاج إغاثة المتضرر إلى مأوى وحماية واستعادة أسباب المعيشة، إلى جانب النفقة العاجلة.
ويستفاد من وصف السكن بأنه نعمة الاعتدال في طلبه: فالمقصود أولا ما يحقق الحاجة والاستقرار بحسب الحال، وتبقى الزيادة المباحة جائزة ما لم تقترن بمحظور. ولا تذم الراحة لكونها راحة، ولا يصبح الإسراف محمودا بمجرد تسميته تحسينا للسكن. والميزان يجمع القدرة والحقوق والعرف، ويمنع أن تستنزف مظاهر المنافسة ما تحتاج إليه الأسرة من قوت وتعليم وعلاج.
ما الذي نشكره حين نأوي إلى البيت
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠] فموضع الامتنان هو السكن الذي تحصل به الراحة والاستقرار، وتأتي قيمة البناء والملك في خدمة ذلك. يستطيع المستأجر أن يعرف نعمة ما أتيح له من مأوى، كما يستطيع أن يسعى إلى تحسينه أو امتلاكه من طريق مشروع. ولا ينقص شكره لمجرد بقاء مطلب يرجوه.[٤٢]
وفي سورة قريش اقترن الإطعام من الجوع بالأمان من الخوف، وجاءت الدعوة إلى عبادة رب البيت. وحين دعا إبراهيم عليه السلام لبلده، سأل الأمن ورزق الثمرات. هذا الاجتماع يوقظ النظر إلى ترابط المصالح: لا يكفي وجود الطعام إذا منع الخوف الوصول إليه، ولا يكفي وجود العمل إذا عجز صاحبه عن الحركة إليه بأمان.[٤٣]،[٤٤]
ومن شكر السكن ألا يتحول إلى سبب أذى: يحفظ الجار حق جاره، ويؤدي المستأجر والمالك ما التزماه، وتصان مرافق الناس من الإفساد. فإذا وقعت أزمة سكن، كانت المعونة بحسب الحاجة: مأوى عاجل، أو مساعدة على أجرة، أو إصلاح ضرر، أو وساطة عادلة تحفظ الحقوق. تختلف الوسيلة، ويجمعها أن يجد الإنسان مكانا يحفظ نفسه ومن يعول.
وعند اختيار المسكن ينظر المرء إلى كلفته الكاملة وأثره في حياته؛ فقد تكون زيادة بعيدة عن قدرته سببا لدين يرهقه، وقد يكون توفير يسير في الأجرة مصحوبا بمشقة لا يحتملها. والموازنة هنا اجتهاد يتصل بحال الأسرة والعمل، وليست حكما واحدا على كل بيت.
الفصل الثالث عشر
الماء والغذاء والموارد العامة
تصل لقمة الطعام إلى الإنسان فيراها صغيرة بين يديه، وخلفها ماء وأرض وزرع وأيد كثيرة عملت. وإذا نظر إلى هذا الامتداد، عرف أن الرزق أوسع من الثمن الذي دفعه. فالثمن وسيلة إلى الانتفاع، أما أصول الحياة التي أودعها الله في خلقه فلا يصنعها الإنسان من عدم، وإنما يعمل فيها بما علمه الله وأقدره عليه.
ويمنع هذا النظر اختزال النعمة في ملكية الفرد الخاصة. فقد ينتفع الناس بماء أو طريق أو مرفق عام، وتضيع المنفعة المشتركة إذا استأثر بها بعضهم أو أفسدوها. أما تحديد حقوق الملك والانتفاع والقيود التنظيمية فله تفصيله الفقهي والواقعي؛ ولا يكفي وصف المورد بأنه من خلق الله لإلغاء كل ملك خاص أو كل التزام بحماية حق الغير.
ومن آثار شكر الموارد تقليل الإفساد والهدر، وحفظ الطعام القابل للانتفاع، والإحسان في معاملة الحيوان. وهذه المعاني لا تقتضي الادعاء بأن طريقة زراعة معينة أو سياسة بيئية مخصوصة هي حكم شرعي تفصيلي بلا بحث. فالنص يقرر الأصل، والخبرة المختصة تدرس الوسيلة وأثرها، ثم يوزن الاختيار بما يحفظ المصالح والحقوق.
النظر إلى الطعام يوقظ الشكر
قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ثم ذكرت الآيات الماء وشق الأرض وما تنبته من غذاء. وهذا النظر يجمع الاعتبار والإقرار بالفضل. وكلما عرف الإنسان شيئا من أسباب نمو الطعام وحفظه ونقله، ازداد فهما لحاجته إلى تعاون الخلق وتسخير الله لهم.[٤٥]
عن أنس ـ رضى الله عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة». وقال البخاري عقب الرواية: «وقال لنا مسلم: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم».[٤٦]
عن جابر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة».[٤٧]
يتعدى ثواب الغرس ما قصده صاحبه في كل مرة؛ ففي رواية مسلم فضل ما يؤخذ منه أيضا. ويبقى للمزارع حق حفظ محصوله وطلب ثمنه، وللمعتدي حكم اعتدائه إن أخذ ما لا يحل له.
ويبدأ حفظ النعمة من ممارسات قريبة: شراء ما يغلب الانتفاع به، وحفظ الطعام حفظا مناسبا، وتيسير وصول الصالح منه إلى من يحتاجه بوسيلة مأمونة، وصيانة الماء من الهدر والإفساد. يختلف التطبيق بحسب الخبرة والمكان، ويظل منع الضرر شرطا في الإحسان؛ فلا يعطى المحتاج ما يخشى أذاه لمجرد الرغبة في التخلص من فائض.
للمنتج والناقل والبائع والقائم على المرفق مسؤولية تناسب قدرتهم؛ فلا يحمل المستهلك وحده عبء الفاقد. وقد يكون إصلاح الحفظ والتوزيع أنفع من تكرار الموعظة لمن لا يملك تغيير الخلل.
الفصل الرابع عشر
المال والقوت والكفاية والادخار
يريح المال صاحبه حين يقضي حاجة أو يسدد حقا أو يهيئ سببا نافعا. وقد يثقله حين تتكاثر بسببه المطالب حتى ينسى لماذا كان يجمعه. وبين هاتين الحالين يحتاج الإنسان إلى فقه الكفاية: ما الذي تقوم به حياته وحقوق من يعول؟ وما الذي يزيدها تيسيرا مباحا؟ وما الذي صار مجرد سباق لا يبلغ له نهاية؟
ومن فقه الملك أن المال الباقي بعد وفاة صاحبه تنتقل فيه الحقوق وفق أحكامها، فلا يساوي ما يملكه المرء دائما ما انتفع به. وهذا يوجهه إلى استعمال ما بيده في وجوه الخير خلال حياته من غير تفريط فيمن يعول. ولا يلزم منه أن ينفق جميع ماله؛ فترك الورثة في كفاية معتبر أيضا، والنظر الشرعي يجمع منفعة الحاضر وحقوق من يأتي بعده.
بين الكفاية واتساع الرغبات
وصف القرآن الأموال بأنها مما جعله الله للناس قياما [النساء: ٥]؛ فهي تحمل مصالح، ويتعلق بحسن تدبيرها أمن أسرة وحق عامل وحاجة محتاج. ولهذا يختلف الاقتصاد عن الشح: الاقتصاد يرعى المنفعة ويحفظ الحقوق، والشح يمنع ما ينبغي بذله أو يحمل صاحبه على ظلم غيره.[٤٨]
سبق نص حديث «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا» وتخريجه في الفصل ٥.
وشرح النووي الكفاف بما يسد الحاجة من غير زيادة عليها. هذا بيان للمعنى، لا تسعير لحياة الناس بمبلغ واحد. فقد تكون لأسرة حاجة علاج أو تعليم أو عمل لا توجد عند أخرى، وتختلف الأعراف والأسعار والمسؤوليات. يعرف الإنسان حاجته بالصدق مع نفسه وبالمشاورة، فلا يسمي كل رغبة ضرورة، ولا يحرم من يعول حقا معتبرا ليدخر مزيدا من المال.[٤٩]
عن عمر ـ رضى الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم.[٥٠]
يدل فعل النبي صلى الله عليه وسلم على مشروعية إعداد النفقة، وأن الاحتياط للمستقبل لا ينافي التوكل. ويتبع مقداره الحاجة والقدرة والحقوق، فلا يتحول وصف الواقعة إلى عدد ملزم لكل بيت.
ومن التدبير أن تميز الأسرة بين ما يجب أداؤه قريبا وما يمكن تأجيله، وبين مالها الخالص وحقوق الآخرين فيه. ثم تجعل لنفقاتها قدرا تستطيع مراجعته، وتترك مساحة للتغير الذي لا تملكه. لا يضمن ذلك غياب الأزمات، لكنه يعينها على استقبالها بعلم أوضح وضرر أقل، ويمنع أن تختلط سعة مؤقتة بوعد دائم.
وفي قصة يوسف عليه السلام حفظ للغلة زمن الخصب استعدادا للشدة [يوسف: ٤٧–٤٩] يجتمع العمل في الحاضر مع مراعاة ما يأتي بعده. وما يتعلمه القارئ من هذا الأصل هو حسن الحفظ والتخطيط، ثم يختار في واقعه من الوسائل المباحة ما يناسبه، مستعينا بأهل الخبرة فيما يجهل.
الباب الثالث
العدل الإلهي والحكمة في تفاوت الأرزاق
يعالج هذا الباب السؤال من أصوله، فيبين كمال عدل الله وحكمته، وحدود ما نعرفه من حكم الوقائع، والفرق بين تقدير الله وما يرتكبه البشر من ظلم. ثم يصل الكلام عن الآخرة والجزاء بواجب المواساة والإنصاف في الدنيا؛ إذ لا يقوم حسن البيان مقام الطعام والدواء وأداء الحقوق.
الفصل الخامس عشر
عدل الله ومعنى تفاوت العطاء
حين يرى الإنسان اختلاف المعايش، قد يسأل من موضع فكر هادئ، وقد يسأل وقد أثقله ما فقد. وفي الحالين يحتاج إلى جواب يحفظ صدق الوحي وحقيقة الألم معا. نبدأ بما أخبر الله به عن نفسه من كمال العدل، ثم ننظر في معنى التفاوت، وفي الحقوق التي كلف بها الناس، وفي حدود ما نعلمه من الحكمة.
الأصل الذي ترد إليه مسائل الباب
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وتجمع الآية بين نفي أدنى الظلم وإثبات مضاعفة الحسنة والأجر العظيم. وفسر السعدي ذلك بكمال عدل الله وفضله؛ فلا ينقص العبد من حسناته ولا يزاد عليه في سيئاته ظلما. فالعدل الإلهي ليس احتمالا نثبته حين توافقنا الظروف ثم نشك فيه عند ضيق المعيشة، بل أصل أخبر الله به عن نفسه، وتفهم معه نصوص الابتلاء والجزاء.[٥١]
عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله، تبارك وتعالى أنه قال «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». قال سعيد كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.[٥٢]
يقترن تنزيه الله عن الظلم بنهي العباد عنه. فمن آمن بعدل ربه لزمه أن ينصف خلقه، ولم يجز له أن يبرر حرمان إنسان من حقه بحجة أن كل ما يقع مقدر.
العدل لا يقتضي تطابق أحوال الخلق
لم يخبرنا الله بأن عدله يقتضي أن تتطابق أعمار الناس أو مواهبهم أو حصصهم من المال والصحة. بل أخبر بتفاوت معايشهم مع إثبات عدله. قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] وذكر ابن كثير في تفسيرها التفاوت في الأموال والأرزاق والعقول والفهوم والقوى. فالمساواة المطلقة في كل عطاء ليست مقدمة قرآنية يجوز أن نحاكم بها بقية النصوص.[٥٣]
لكن هذه النتيجة لا تبيح إطلاق كلمة العدل على كل تفاوت صنعه البشر. اختلاف الناس في قوة البدن ليس كاختلاف أجورهم بسبب سرقة بعضها، وتفاوت المواهب ليس كحرمان شخص من حق ثابت له. نحتاج في الثانية إلى بحث سبب الاستحقاق والفعل الواقع عليه. ومن الخطأ أن تختزل مسائل الحقوق في عبارة عامة عن حكمة الاختلاف، كما يخطئ من يجعل مجرد اختلاف الخلقة والظروف دليلا على الظلم الإلهي.
ومن المهم أيضا التفريق بين العدل والفضل. ما ابتدأ الله به عباده من الوجود والهداية والقدرات عطاء منه، وليس أجرة فرضها عليه مخلوق قبل أن يوجد. وما وعد به عباده من الجزاء حق لا يخلفه. لا تساوي هذه الحقيقة بين المحسن والمسيء، ولا تجعل الوعد بلا معنى؛ بل تمنع تصور علاقة العبد بربه على أنها مطالبة بأجر مادي محدد لم يعد الله به أصلا.
اتساع أنواع الرزق لا يثبت تساوي مجموعها
الصحة والعافية والولد وحسن الفهم والمهارة نعم حقيقية، والحديث عنها ضمن سعة الرزق يخرج الإنسان من اختزال عطايا الله في الراتب والرصيد. قد يملك المرء قدرة على التعلم لا يحسن استثمارها، أو أهلا يعينونه، أو وقتا يستطيع أن يبني فيه كسبا. التفطن إلى ذلك نافع، بشرط ألا نمحو به الحاجة الواقعة: صحة الفقير لا تدفع عنه الإيجار بنفسها، ووجود أولاد يحبهم لا يجعل عجزه عن إطعامهم أمرا هينا.
وتشيع عبارة مؤداها أن مجموع النعم متساو بين كل الناس، وأن من نقص ماله زادت صحته أو ذكاؤه بالمقدار نفسه. لا تثبت هذه المعادلة بالنصوص السابقة. قد يجتمع المرض والفقر والفقد على إنسان، ويجتمع المال والعافية والأهل على آخر. كما لا نملك وحدة حساب تجمع بها نعمة الهداية ونعمة المال وطول العمر ثم نحكم بتساوي المجاميع. تعليق عدل الله على هذه الدعوى يضع أصلا يقينيا على تفسير لم يقم عليه دليل.
والقول بأننا لا نحيط بالنعم صحيح، لكنه يختلف عن الجزم بأن ما لم نحط به متساو حسابيا. الأول اعتراف بحدود معرفتنا، والثاني خبر عن توزيع العطاء يحتاج إلى برهان. ويمكن مواساة المحتاج بنعمه الباقية ورجاء الفرج وأجر الصبر، دون اختراع موازنة غيبية أو مطالبته بأن يرى نفسه مساويا في الظروف لمن اتسعت عليه الدنيا.
تفاوت القدرة وما يترتب عليه من التكليف
لا تقاس استجابة الناس إلى واجبات المال بمقدار واحد مع اختلاف قدرتهم. قال تعالى في النفقة﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وبين السعدي تعلق النفقة بحال المنفق من السعة والضيق. فلا تكون قلة ما يبذله المعسر كقلة ما يبذله الموسر في الحكم لمجرد تساوي الرقم.[٥٤]
ومن هذا الباب ألا نجعل نجاح شخص في ظروف ميسرة حجة على تقصير كل من لم يبلغ نجاحه. قد نحتاج إلى تقويم الكسل أو سوء التدبير، لكن ذلك يعرف بأدلته، لا من نتيجة الدخل وحدها. ومثل ذلك تفاوت قدرات التعلم أو الحركة؛ فبناء النصيحة على الوسع الفعلي أدعى إلى العدل من تكرار وصفة واحدة على الصحيح والمريض والقادر والعاجز.
عدل حقيقي يليق بكمال الله
في شرحه لحديث تحريم الظلم، يبين ابن تيمية أن الله منزه عن أن يعاقب بريئا بسيئة لم يفعلها، أو يحمل إنسانا ذنب غيره، أو يبخس المحسن حقه. وينقد قصر معنى الظلم على التصرف في ملك الغير؛ إذ ليس ذلك حدا كافيا يبين جميع صور العدل والظلم. فملك الله لكل شيء يقترن بكمال حكمته وعدله، ولا يجعل خبره بتحريم الظلم على نفسه خاليا من المعنى.[٥٥]
ويحفظ هذا التأصيل للقلب طريقه بين خطأين: أن يقيس أفعال الله على علم البشر المحدود فيفرض صورة واحدة للحكمة، أو أن يتحدث عن القدرة الإلهية بما ينفي الحكمة والعدل اللذين أخبر الله بهما. نؤمن بكماله سبحانه، ونصدق وعده وخبره، ونعرف أن قصورنا عن بعض التفاصيل لا يجعل الظلم مباحا ولا العدل مجهول المعنى.
الفصل السادس عشر
التفاوت في الأرزاق والابتلاء
نتنبه إلى الامتحان حين تضيق الحياة، وقد نغفل عنه حين تتسع. غير أن المال الجديد يفتح سؤالا كما يفتحه المال المفقود: ماذا سنصنع بما أعطينا؟ وهل نزداد به وفاء ورحمة، أم يتسع به ظلمنا وغفلتنا؟ وفي هذا المعنى يلتقي الغني والفقير، وإن اختلفت الأعمال التي يقدر عليها كل منهما.
الابتلاء يكون بالعطاء كما يكون بالمنع
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وشرح الطبري الابتلاء هنا بالاختبار بالشدة والرخاء، والسعة والعافية. فالمعافى داخل في الامتحان كما يدخل فيه المريض، وصاحب الفائض المالي مطالب بعمل يناسب ما أوتي، كما أن المحتاج مطالب بما في وسعه. ولا تدل سهولة الظروف على أن الإنسان خرج من ساحة التكليف.[٥٦]
وقد تبدو نعمة المهارة منفصلة عن هذا المعنى، مع أن أثرها ظاهر في السلوك. صاحب الخبرة يستطيع أن ينصح بصدق أو يستغل جهل الناس، وصاحب المنصب يستطيع أن يقيم الحقوق أو يمنعها. أما الذكاء فلا يكتمل نفعه بمجرد حصوله، فقد يستخدم في تعلم نافع أو في إحكام الغش. الحديث عن هذه المواهب بوصفها رزقا يصحبه إذن سؤال استعمالها، لا الاكتفاء بإعجاب صاحبها بنفسه.
والابتلاء في الاستعمال الشرعي لا يعني دائما العقوبة. فإذا أطلق الناس كلمة «مبتلى» على صاحب المرض وحده فقد ضيقوا المعنى، وإذا فهموا منها أنه متهم بذنب معين فقد أضافوا حكما لا تدل عليه الكلمة. يختبر الإنسان بما يحب وبما يكره، والعبرة باستجابته وما يترتب عليها، لا بصورة الحال وحدها.
تصحيح ميزان الإكرام والإهانة
تعرض سورة الفجر قول الإنسان عند التوسعة﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، وقوله عند تضييق الرزق﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، ثم ترد هذا الميزان: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥–١٧] وبين ابن كثير أن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وأن النظر إلى طاعته في الحالين؛ فيشكر الغني ويصبر الفقير. هذا تفسير للآيات ينفي الملازمة بين المال والمحبة، ولا ينفي أن المال نفسه نعمة تستوجب الشكر.[٥٧]
وعليه، فلا يصح تزكية تاجر لأن تجارته نمت، ولا اتهام مستقيم لأن عمله تعثر. وينبغي كذلك ألا نقلب الخطأ فنزكي كل فقير لمجرد فقره أو نذم كل غني لمجرد غناه. قد يتصدق الموسر ويعدل، وقد يعتدي الفقير، وقد يقع العكس. وصف الحال المالية شيء، والحكم على الفعل والخلق شيء آخر يحتاج إلى بينة.
وتتابع السورة ذكر إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين؛ فتصحيح التصور عن الرزق لا ينتهي إلى شأن قلبي منعزل. من ظن نفسه مكرما لمجرد كثرة المال يسأل عما فعله بحق الضعيف. وهذه الصلة بين الاعتقاد والسلوك تمنع استعمال خطاب النعمة لتبرير الأنانية أو تحقير من قل ماله.
ابتلاء الصالح لا ينقض صلاحه
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعت وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له ـ قال ـ فوقفت له حتى فرغ سرت معه فقلت يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه فقال تلك حفصة وعائشة. قال فقلت والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك. قال فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به ـ قال ـ ثم قال عمر والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم ـ قال ـ فبينا أنا في أمر أتأمره إذ قالت امرأتي لو صنعت كذا وكذا ـ قال ـ فقلت لها مالك ولما ها هنا فيما تكلفك في أمر أريده. فقالت لي عجبا لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان. فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة فقال لها يا بنية إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان. فقالت حفصة والله إنا لنراجعه. فقلت. تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ـ يريد عائشة ـ قال ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها. فقالت أم سلمة عجبا لك يا ابن الخطاب دخلت في كل شىء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه. فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب فقال افتح افتح. فقلت جاء الغساني فقال بل أشد من ذلك. اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه. فقلت رغم أنف حفصة وعائشة. فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدرجة فقلت له قل هذا عمر بن الخطاب. فأذن لي ـ قال عمر ـ فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شىء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال «ما يبكيك». فقلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله. فقال «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة».[٥٨]
ثبت في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه رأى أثر الحصير في جنب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ما عليه كسرى وقيصر من سعة الدنيا. فبين له النبي صلى الله عليه وسلم شأن الآخرة في ميزان العطاء. ليس المقصود أن حياة كل مؤمن يجب أن تشبه ذلك في مقدار المال، وإنما الشاهد أن ضيق العيش لم يكن دليل هوان صاحب الرسالة عند ربه.
عن صهيب، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».[٥٩]
تتعلق الخيرية بموقف المؤمن: شكر في السراء وصبر في الضراء. فلا يحذف هذا الشرط ليقال إن كل توسعة أو مصيبة نافعة مهما كان سلوك صاحبها، ولا يلزم من الخير الأخروي تعويض مالي قريب.
سعة الرزق لغير المؤمن
قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] وذكر ابن كثير أن الإمداد في الدنيا يقع لهؤلاء وهؤلاء. فلا تختص موارد الحياة ومنافع العمل بمن استقام إيمانه، ولا تصبح وفرة دخل شخص برهانا على صحة اعتقاده. كما لا يدل اختلاف الدين وحده على أن مهارته وهم أو أن كل ما اكتسبه سرقة.[٦٠]
عن أنس بن مالك، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها».[٦١]
ليست الدنيا خالية من أثر الأعمال النافعة، وإن اختلف أمر الجزاء في الآخرة. ولا يحول البيان العام في الحديث إلى تفسير يقيني لكل مبلغ حصل عليه شخص بعينه أو حكم على خاتمته.
وعمليا، ينظر المسلم إلى الأسباب الظاهرة النافعة فيتقن ما يحتاج إليه من تعلم وتنظيم، ولا يتوهم أن مجرد انتسابه إلى الإيمان يغنيه عن جودة العمل. وفي الوقت نفسه لا يجعل نجاح غيره الاقتصادي سببا للتخلي عن ميزانه الشرعي. فالتعلم من خبرة نافعة لا يقتضي تقليد كل اعتقاد أو سلوك عند صاحبها.
نعمة المال وخطر التنافس عليه
عن عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة، أخبره أن عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤى وكان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشىء من البحرين». فقالوا أجل يا رسول الله قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم».[٦٢]
لما قدم مال البحرين بين النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنه يخشى عليهم بسط الدنيا والتنافس فيها. والحديث يوجه النظر إلى خطر قد يصاحب السعة، لا إلى ذم كل طلب للكفاية. فمن الخطأ أن يستعمل في وجه رب أسرة يبحث عن ضروراته كأن مجرد رغبته في دخل ثابت تعلق مذموم بالدنيا.
أي الحالين أقرب إلى الفضل
عرض ابن تيمية الخلاف في الغني الشاكر والفقير الصابر، واختار أن الأفضل أتقاهما؛ فلا يفضل أحدهما بمجرد غناه أو فقره. وقد تلائم السعة حال إنسان، ويلائم القلة حال آخر، ويستويان إذا استويا في سبب الكرامة. وهذا يرد المفاضلة إلى الإيمان والعمل، ويمنع تحويل مقدار المال إلى شهادة صلاح أو تهمة.[٦٣]
وتفيد هذه النظرة في التربية داخل الأسرة. فلا يعرف الطفل قيمة نفسه بما يقارن من بيوت زملائه ومقتنياتهم، ولا يعلم احتقار صاحب السعة أو صاحب الحاجة. يعرف أن المال أمانة، وأن الفضل في صدق العمل، وأن مساعدة المحتاج تؤدى برحمة تحفظ كرامته. بهذا ينتقل ميزان الإيمان من الكلام إلى طريقة عيش.
الفصل السابع عشر
الحكم المنصوصة وحدود معرفة الحكمة
قد تنكشف للإنسان بعد زمن مصلحة في أمر كان يكرهه، فيشكر الله على ما علم وما لم يعلم. وقد يظل أمر آخر موجعا لا يجد له تفسيرا مفصلا. الإيمان بالحكمة يسع الحالين؛ فلا يتوقف على أن يرى المرء نهاية كل قصة، ولا يجيز له أن يكتب من عنده نهاية لقصة غيره.
الحكمة العامة وتفسير الواقعة المعينة
تخبرنا النصوص أن الله يبتلي بالخير والشر، وأن بسط الرزق قد يفضي إلى البغي، وأن تفاوت القدرات ينتفع به الناس في معاشهم. هذه معان عامة يقوم عليها فهم المؤمن للحياة. أما قولنا إن فلانا افتقر تحديدا لأن الغنى كان سيفسده، فدعوى زائدة؛ إذ نقلنا المعنى العام إلى تعيين مراد الله في شخص لم يرد فيه نص.
والفرق مؤثر في خطاب الناس. يجوز تذكير المرء بأن بعض ما يفوته قد تكون له فيه مصلحة لا يعلمها، على جهة الاحتمال والرجاء، ولا يجوز تحويل الاحتمال إلى خبر جازم: لو رزقت هذا الولد لعقك، أو لو شفيت الآن لعصيت، أو لو نجحت تجارتك لتركت الصلاة. هذه جمل قد تبدو مسلية، لكنها تتضمن علما بأحوال لم تقع وبحكمة لم يخبرنا الله بها.
تقدير الرزق ومنع البغي
قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] وفسر السعدي البغي بما قد يترتب على الانشغال بالدنيا وشهواتها، وربط تقدير الرزق بعلم الله بأحوال عباده. فالآية تمنع توهم أن التوسعة المطلقة على كل أحد هي الصورة الوحيدة للخير.[٦٤]
ولا يصح أن نستخرج منها منع الفقير من طلب الزيادة؛ فالآية خبر عن حكمة الله، وليست أمرا لكل محتاج بالبقاء على حاجته. كما لا تدل على أن الأغنياء جميعا أصلح للمال من غيرهم، وإلا تعذر فهم النصوص التي تذم من بغى بماله. إنما يلتزم العبد بما أمر به من سؤال الفضل والكسب الحلال، مع معرفته بأن حصول كل ما يشتهيه ليس لازما لصلاحه.
يسأل الموسر عن أثر التوسعة في عمله: هل وفى بالحقوق أم زاد إسرافا وعدوانا؟ فهذا سلوك مشاهد يستطيع إصلاحه، بخلاف تخمين السبب الغيبي وراء فقر جاره.
تبادل المنافع لا يبيح الاستغلال
جاءت آية قسمة المعيشة في سورة الزخرف في سياق الرد على الاعتراض على موضع الرسالة. وهي تذكر رفع بعض الناس فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا. وشرح ابن كثير حاجة بعضهم إلى بعض في الخدمة والعمل، مع تنوع ما قسم بينهم. فليس معنى ذلك أن رتبة المال تمنح صاحبها حق اختيار من يستحق الوحي أو تمنحه قيمة إنسانية أعلى من العامل.[٦٥]
وفي تطبيق هذا المعنى يظهر افتقار الناس إلى تخصصات متعددة. يحتاج صاحب المشروع إلى العامل، ويحتاج العامل إلى موارد وأدوات وسوق، وقد يجمع إنسان بعض الأدوار دون بعض. لكن إثبات هذه الحاجة لا يحدد وحده عدالة كل عقد؛ فلا بد من الوفاء بالشروط المعتبرة ومنع أكل الحقوق. ولو سمينا الاستغلال حكمة اجتماعية لأبطلنا النصوص التي توعدت مانع أجر الأجير.
ويختلف كذلك الاعتراف بتنوع القدرات عن تثبيت الفقير في طبقة لا يغادرها. يمكنه أن يتعلم وينتقل ويشارك في عمل جديد، وقد يتهيأ له ما لم يكن متهيئا لآبائه. ليست الآية نهيا عن تحسين الفرص، ولا يصح جعلها حجة لإغلاق التعليم أو المهن في وجه فئة بعينها.
معرفة الأسباب لا تعني الإحاطة بالمقادير
قد يعرف المختص أن خسارة مشروع ارتبطت بارتفاع كلفته أو سوء تعاقده أو انقطاع موارده. هذا بحث في أسباب ظاهرة له أدلته القابلة للفحص. أما تعيين أن الخسارة وقعت عقوبة على ذنب بعينه، أو أنها وعد بربح مضاعف لاحق، فانتقال إلى دعوى غيبية لا تثبت بتقرير مالي. التفريق بين المستويين يحفظ للخبرة مجالها وللوحي حجته.
ولهذا لا يقال للمجتمع: ما دمتم تؤمنون بالحكمة فلا تدرسوا أسباب الفقر. يمكن الإيمان بالحكمة مع البحث في جودة التعليم وإتاحة العمل وأمانة توزيع الحقوق. وعند تغير السبب قد يتغير الأثر بإذن الله، ولا يكون تغيير الظرف اعتراضا على التقدير. إن اتخاذ السبب نفسه واقع في قدر الله، كما أن التكليف قد يتعلق بإزالة الضرر لا بمجرد احتماله.
وفي المقابل، لا تكفي معرفة سبب ظاهر للجزم بأننا أحطنا بكل أسباب النتيجة. قد يتشابه مشروعان في جوانب ويختلفان في أخرى خفية. فالتواضع العلمي يمنع وصفة تزعم أن كل من اتبع خطوات محددة صار غنيا حتما، كما يمنع نسبة تعثر كل إنسان إلى خطأ واحد في نيته أو مهارته.
قصة الخضر وحدود القياس عليها
تتضمن قصة موسى والخضر عليهما السلام بيانا لحكم لم تكن ظاهرة أول الأمر. ومن ذلك حفظ كنز الغلامين بإقامة الجدار، ثم قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] ويبين ابن كثير اتصال تلك الأفعال بأمر الله. فالقصة تثبت أن العلم البشري بما وراء الحادثة محدود، لكنها لا تمنح كل أحد رخصة للاعتداء بدعوى مصلحة سرية.[٦٦]
لا يجوز لمن أتلف مال غيره أن يجعل نفسه في منزلة الخضر، ولا لمن أضر بولد أن يزعم أنه علم ما سيصير إليه. تلزم الناس الأحكام الظاهرة والأدلة المشروعة، ولا ترتفع حقوقهم بخاطر أو منام أو ادعاء كشف. وإيراد القصة في المواساة إنما يفيد توسيع أفق النظر إلى الحكمة، مع إبقاء حدود العلم والتكليف التي قررتها القصة نفسها.
الخوف من الاستدراج دون اتهام الأعيان
تنكر سورة المؤمنون توهم أن الإمداد بالمال والبنين دليل مسارعة بالخيرات لمن أعرضوا عن الحق [المؤمنون: ٥٥–٥٦] وفسر السعدي ذلك في سياق الاغترار بالعطاء مع الاستمرار على المخالفة. يوقظ هذا التحذير صاحب النعمة لئلا يستدل بنجاحه على سلامة طريقه، ولكنه لا يخولنا أن نحكم بأن مال كل شخص معين استدراج.[٦٧]
التسليم مع بقاء النظر والسؤال
قرر ابن تيمية أن عدم معرفتنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يبطل ما علمناه من أصل حكمة الله. وهذه قاعدة في حدود المعرفة: إثبات الكمال الذي دل عليه الوحي لا يتوقف على إحاطة المخلوق بكل فعل وتفصيل. كما أن طلب الفهم المشروع لا يمنح السائل علما لم يبلغه دليله.[٦٨]
قول «لا أعلم الحكمة الخاصة» جواب أمين إذا صاحبه بيان ما نعلمه من عدل الله ورحمته. ويمكن أن ندرس أسباب الحادثة لمنع تكرار الضرر مع بقاء جهلنا بتمام الحكمة من تقديرها.
الفصل الثامن عشر
القدر والظلم البشري والعدل الاجتماعي
قد يكون أول ما يحتاج إليه صاحب الحق أن يسمع من يقول له: حقك محفوظ في الشرع، وسعيك لاستيفائه مشروع بوسيلته. فكم يثقل الظلم حين يضاف إليه خطاب يجعل المطالبة بالعدل قلة رضا، أو يجعل أداء الأجر إحسانا يتفضل به من منعه. والتمييز بين القدر والتكليف يزيل هذا الالتباس من أصله.
وقوع الفعل لا يدل على إباحته
قد يحتج الظالم بأن المال لو كان مقدرا للمظلوم لما استطاع أحد منعه عنه. وهذه حجة تخلط وقوع الفعل بإباحته. فالنص الذي يثبت أن الله هو الرازق لا يبيح السرقة، ولا يسقط الدين، ولا يجعل أجرة العامل منحة اختيارية. وفي الحديث القدسي السابق اقترن إخبار الله بتحريم الظلم على نفسه بنهي العباد عن التظالم؛ فلا يصح قبول شطر الخبر وترك ما رتبه عليه من تكليف.
ولو صحت هذه الحجة لاستطاع كل معتد أن يدفع عن نفسه اللوم بما وقع فعلا، ولما بقي معنى للأمر بالعدل ورد الحقوق. وإنما يفترق النظر إلى المصيبة من جهة المتضرر، الذي يؤمن بقدر الله ويستعين به، عن النظر إلى الجناية من جهة فاعلها، الذي يلزمه الكف والتوبة ورد الحق. وقد يجتمع الوصفان في الواقعة نفسها دون تناقض.
ومن ثمرات هذا التفريق في الرزق أن المطالبة بالأجر أو الميراث أو المال المسروق لا تناقض الرضا بالله ربا. صاحب الحق يسلك سببا مشروعا لتحصيل ما ثبت له، كما يسلك سبب العمل لتحصيل ما ليس في يده بعد. ولا يجوز لأحد أن يجعل الصبر شرطا معناه التنازل الإجباري عن الحقوق.
الجواب القرآني عن الاحتجاج على ترك الإطعام
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] وشرح ابن كثير احتجاجهم بأن من أمروا بإطعامهم لو شاء الله لأغناهم. فالقرآن يعرض هذا الاحتجاج في مقام الذم، ولا يقر جعله سببا لترك ما أمر الله به.[٦٩]
وتظهر دقة التعبير في صدر الآية: الإنفاق مما رزق الله المنفق نفسه. فكون المال عطاء من الله لا يعزل صاحبه عن التكليف، بل يذكره بمصدر ما في يده وبحق غيره فيه. وقد يكون وصول الطعام إلى الجائع عن طريق من أمر بإطعامه؛ فلا تعارض بين نسبة الرزق إلى الله وبين قيام البشر بما كلفوا به من بذل وإيصال.
حقوق العامل ليست صدقة عليه
عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «قال الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه، ولم يعط أجره».[٧٠]
يتعلق الوعيد بفعل محدد: استيفاء منفعة العامل ومنع عوضها المستحق.
فلا تعالج هذه الصورة بوصف العامل بأنه قليل القناعة، ولا بأن يتفضل صاحب العمل عليه ببعض راتبه ويسميه إحسانا. الإحسان له موضعه بعد حفظ الحقوق، أما الوفاء بالأجر فحكم مختلف عن صدقة التطوع. وكذلك لا تمحو كثرة تبرعات صاحب المال حقوقا ثابتة للناس في ذمته.
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أتدرون ما المفلس». قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».[٧١]
يحذر حديث المفلس من الاطمئنان إلى العبادة الظاهرة مع فساد المعاملة؛ إذ تبقى مظالم الخلق موجبة للحساب، ويؤخذ لها من حسنات المعتدي.
ومن التطبيقات أن تبدأ مراجعة بركة المال بفحص الذمم: أجور لم تدفع، وديون حالة مع القدرة على أدائها، وأموال أخذت بغير حق. لا يغني عن هذا الفحص البحث عن ورد يجلب الزيادة. وفي المقابل لا تثبت دعوى العامل أو الدائن بمجرد صدورها؛ بل تحفظ حقوق الأطراف جميعا بالإثبات والعدل، ويبحث العجز الحقيقي والنزاع في الاستحقاق كل في موضعه.
عدل الشهادة مع الغني والفقير
قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ في سياق الأمر بالقيام بالقسط والشهادة لله [النساء: ١٣٥] وبين السعدي أن الشهادة لا تحابى فيها جهة لغناها، ولا تغير لمصلحة الفقير بدعوى الرحمة به. فالعدل الاجتماعي لا يقوم على اعتبار كل غني ظالما، كما لا يقوم على حماية الغني من المحاسبة.[٧٢]
هذه قاعدة مهمة حين يجري تفسير تفاوت الأرزاق؛ إذ قد تكون الحاجة حقيقية، لكن علاجها لا يبيح الكذب في الشهادة أو انتزاع مال بريء. كما قد تكون الثروة مكتسبة بطريق مباح، مع بقاء حقوق واجبة فيها. ينظر إلى كل حق بدليله، ولا تحول المشاعر تجاه الفئة الاجتماعية دون الإنصاف.
التكافل مع التمكين من الكسب
تجمع آية البر بين الإيمان وإيتاء المال للأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد [البقرة: ١٧٧] فلا يكتمل تناول الرزق بإفراد الوعظ عن هذا الجانب من العمل. ويتنوع نفع المحتاج بحسب حاله؛ فمن جاع اليوم يحتاج إلى طعام قريب، ومن قدر على العمل وافتقر إلى أداة قد ينتفع بالتأهيل والأداة معا، ومن عجز عجزا مستمرا يحتاج إلى رعاية مستمرة.[٧٣]
والجمع بين الإغاثة والتمكين تطبيق للنظر في الحاجة والقدرة، وليس نظاما تفصيليا تنص عليه هذه الآية وحدها. تفاصيل المؤسسات والوسائل تحتاج إلى معرفة بالواقع وضبط شرعي، ولا تكفي عبارة «تعليم الحرفة» لكل حالة. فقد تكون الحرفة غير مطلوبة، أو يمنع المرض صاحبها من ممارستها، أو يحتاج قبل التدريب إلى مأوى وأمان.
وفي أحكام الدين مثال واضح على مراعاة الحال؛ إذ أمر الله بإنظار المعسر إلى الميسرة، وندب إلى التصدق عليه بالدين أو بعضه. وبين السعدي أن الإنظار واجب عند العسرة. فلا يسوى المعسر الصادق بمن يمتنع عن الوفاء مع القدرة، ولا يجعل العجز الأخلاقي المفترض تفسيرا تلقائيا لكل تأخر.[٧٤]
الرضا بالله لا يقتضي الرضا بالمعصية
فصل ابن القيم في منزلة الرضا بين ما يأمر الله به ويحبه، وبين ما يقع كونا من مصائب أو معاص. وقرر أن دفع المصيبة بسبب يرفعها لا ينازع الربوبية، وأن المعاصي لا يرضى بها العبد لمجرد وقوعها في القدر. فمن طلب علاجا أو دفع ظلما بسبب مشروع لم يخرج بذلك عن التسليم لله؛ بل عمل بما شرع له في حاله.[٧٥]
ويظهر أثر ذلك في دعوة الناس إلى القناعة. فالقناعة تصلح القلب عن الطمع في مال غيره، ولا تبيح لصاحب العمل أن يبقي الأجر المستحق عنده. والصبر يحفظ المظلوم من تعد جديد، ولا يمنع توثيق مظلمته ورفعها إلى من يقدر على إنصافه. والعفو فضيلة في موضعه إذا صدر باختيار صاحبه، ولا ينتزع منه بالإكراه أو التشهير.
ويبين ابن تيمية، في كلامه على القدر، الفرق بين مشيئة الله لما يقع وبين محبته ورضاه؛ فقد يقع ما نهى عنه مع أنه لا يحبه. وبهذا يحفظ أصلان معا: لا يخرج شيء عن قدر الله، ولا يصبح المحرم مباحا بسبب وقوعه.[٧٦]
الفصل التاسع عشر
الجوع والفقد والجزاء الأخروي
أشد ما في الحديث عن الرزق أن يصل إلى موضع الطعام المفقود والولد المريض والحياة التي أرهقها الفقد. عند هذا الموضع لا تكفي عبارة حسنة إذا حجبت حاجة الإنسان إلى النجدة. نصدق ما أخبر الله به عن رزقه وعدله، ونعترف بحقيقة الألم، ونحمل ما نستطيع من مسؤولية إغاثته.
فهم ضمان الرزق مع وقوع الجوع
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وذكر ابن كثير تكفل الله بأرزاق المخلوقات وعلمه بأحوالها. ولا يصح فصل هذه الآية عن النصوص التي أخبرت بالموت والابتلاء؛ فتكفل الله بالرزق ليس وعدا بأن كل مخلوق سيبقى شبعان صحيحا في كل لحظة أو بأن حياته لن تنتهي بفقد سبب من أسباب البقاء.[٧٧]
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] فالجوع ونقص الأنفس مذكوران في الوحي نفسه. وإذا فسر أحد ضمان الرزق تفسيرا ينفي إمكان الجوع، كان الخلل في هذا التفسير، لا في اجتماع الآيتين.[٧٨]
ويقتضي هذا الجمع ألا ننكر الواقع المؤلم، وألا نزعم أن جوع الإنسان دليل على أنه خارج علم الله أو أنه مستحق للاحتقار. كما لا يصح استعمال عبارة «استوفى رزقه» لإسقاط مسؤولية من منعه الطعام أو عطل إنقاذه. لا يرفع الإيمان بالأجل والقدر حرمة القتل أو ترك الواجب، وقد يصدق وقوع المصيبة في القدر مع ثبوت الإثم على من تسبب فيها.
تعدد أسباب المصيبة ومسؤولية القادر
قد ينشأ فقد المال عن سبب لا يد لأحد فيه، وقد ينشأ عن ظلم معلوم. وذكر السعدي عند تفسير نقص الأموال ما يكون من جوائح وما يكون من أخذ الظلمة لها. وجود النوعين في شرح الابتلاء يبين أن وصف الحادثة بأنها ابتلاء لا يحدد وحده طريقة التعامل مع سببها؛ فالمرض يطلب له العلاج، والظلم يطلب رفعه ورد ما أخذ بسببه.[٧٩]
ولا يصح أن يطلب من الجائع حل الإشكال النظري قبل أن يصل إليه الطعام. قد يحتاج إلى جواب يطمئنه، لكنه يحتاج كذلك إلى ما يحفظ حياته. والواجب على القادر يتعين أو يتسع بحسب الحال والاستطاعة والحقوق القائمة، فلا يكتفى بإحالته على الدعاء مع إمكان المساعدة اللازمة. وقد دلت آية يس السابقة على فساد الاحتجاج بمشيئة الله لترك الإنفاق.
ومثل ذلك من فقد القدرة على الكسب بسبب إصابة؛ فقد يكون السعي المناسب في حقه علاجا أو تدريبا ملائما أو مطالبة بحق ثابت، لا إرغاما على عمل يعجز عنه. تتغير الوسيلة بحسب الحال، ويبقى المقصد حفظ الإنسان وأداء ما يلزم من حقه. ولا يصح أن تتحول فضيلة العمل إلى ذريعة لازدراء من حيل بينه وبين العمل.
آلام الأطفال ومن لم يجر عليه قلم التكليف
سؤال ألم الطفل من أشد أسئلة هذا الباب وقعا على النفس. وأول ما ينبغي حفظه ألا يحمل الطفل غير المكلف ذنبًا، ولا يفسر ألمه بأنه عقوبة على معصية شخصية. جاء في حديث علي رضي الله عنه رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، مع ذكر النائم والمجنون.
عن علي، عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل».[٨٠]
أخرجه أبو داود، وصححه الألباني. فالتكليف المؤاخذ عليه لا يسوى فيه الطفل بالبالغ العاقل.
ولا يوفر هذا الأصل لنا تفسيرا تفصيليا لمرض كل طفل، كما لا يجيز القول لوالديه إننا نعلم أنه مرض بسبب ذنب محدد منهما. قد تدل الأدلة على مسؤولية ظاهرة، كمنع علاج لازم أو وقوع اعتداء، فتحاسب بقدر ثبوتها. أما تعيين القصد الإلهي وراء كل ألم فليس في قدرتنا.
ويجب تجنب اختراع مستقبل سيئ للطفل حتى تبدو مصيبته مبررة؛ فلا يقال لأهله: لو عاش لصار عاقا أو مجرما، ثم تنسب هذه الدعوى إلى الحكمة الإلهية. قصة الخضر لم تمنحنا علما بمستقبل سائر الأطفال. الممكن الصادق أن نثبت رحمة الله وعدله، ونقر بحدود علمنا، ونقوم بما نستطيعه من العلاج والرعاية ومساندة الأسرة.
الدنيا ليست موضع استيفاء كل الحقوق
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وبين السعدي أن الحساب لا يضيع صغير الأعمال، ولا تنقص فيه الحسنات أو تزاد السيئات ظلما. فمن الخطأ أن نفترض أن كل مظلمة لا بد أن تستوفى في الدنيا، ثم نجعل عدم استيفائها دليلا على سقوط العدل.[٨١]
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».[٨٢]
يقرر الحديث استيفاء الحقوق يوم القيامة، فيطمئن المظلوم ويحذر الظالم، ولا يعفي الناس من إقامة العدل الذي أمروا به في الدنيا.
فليست الآخرة بديلا يقترحه المعتدي ليستبقي مال غيره؛ إذ النصوص نفسها التي أخبرت بالجزاء أمرته بالوفاء الآن. والرجاء الأخروي يزيد مسؤولية من يؤمن بالحساب، لأنه يعلم أن ما أخفاه عن القضاء البشري لا يخفى على الله. وقد يعجز المظلوم عن الوصول إلى حقه في الدنيا، ولا يعني عجزه أن الحق صار مباحا لمن أخذه.
أثر الآخرة في ميزان النعيم والبؤس
عن أنس بن مالك، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط».[٨٣]
يبين الحديث عظم ما يلقاه الإنسان في الآخرة حتى يضمحل عنده أثر نعيم الدنيا أو بؤسها، مع بقاء ما وقع فيها من الألم حقيقة تستوجب الرحمة.
ولا بد من إبقاء قيدي الحديث: «من أهل النار» و«من أهل الجنة». فهو لا يقول إن كل غني من أهل النار، ولا إن كل فقير من أهل الجنة. حذف القيدين يصنع مذهبا في الثروة والفقر لم يدل عليه النص. ويجتمع هذا الحديث مع بيان مسؤولية الغني والفقير عن إيمانهما وأعمالهما، لا مع إلغاء تلك المسؤولية.
ومن أحسن ما يورثه الإيمان بالآخرة ألا يحصر المبتلى رجاءه في تعويض دنيوي مطابق لما فقد. يسأل الله الفرج والعافية، ويوقن أن أجره وحقه لا يضيعان عنده، دون أن يحدد من تلقاء نفسه صورة العوض وموعده. وأما من يواسيه فيجمع بين هذا الرجاء وبين المعونة الحاضرة؛ فلا يجعل عظم الآخرة سببا للتقليل من حاجة إنسان إلى رحمة اليوم.
الألم والعقوبة ليسا لفظا واحدا
نبه ابن تيمية في شرح حديث تحريم الظلم إلى أن العذاب أوسع في الاستعمال من العقاب؛ فقد يتألم الإنسان من أمر خارج عن كسبه، وليس كل ألم جزاء معصية ارتكبها. ومثل لذلك بما جاء في وصف السفر بالمشقة. فهذا الفرق يعين على منع التفسير المتعجل لوجع الناس، وبخاصة من لم يجر عليه قلم التكليف.[٨٤]
الفصل العشرون
أدب السؤال والمواساة عند تفاوت الأرزاق
ليس كل سؤال يقال في حال مصيبة طلبا لمناظرة. قد يكون صاحبه يريد أن يسمع جوابا، وقد يريد أن يعرف أن أحدا فهم وجعه. يستطيع الناصح أن يصغي قبل أن يشرح، وأن يعين قبل أن يكثر الكلام، وأن يجمع في عبارته بين رجاء رحمة الله واحترام ما يمر به الإنسان.
سؤال الفهم غير اتهام العدل
قد يسأل الإنسان عن الحكمة لأنه يريد أن يفهم، أو لأنه تألم واضطرب، أو لأنه سمع جوابا لم يقنعه. لا يصح تسوية هذه الأحوال كلها بإرادة الاعتراض على الله. ويساعده البيان الهادئ الذي يفرق بين أصل ثابت وبين تفاصيل لا نعلمها، أكثر مما تساعده تهمة تدفعه إلى إخفاء سؤاله دون زواله.
وللسؤال أدب يحفظه من التحول إلى حكم على الله بغير علم: أن يطلب السائل الهداية والفهم، وألا يجعل إحاطته بالحكمة شرطا لثبوت العدل. كما أن للمجيب أدبا ألا يتكلم في الغيب برأيه وألا يحمل النص ما لا يحتمل. وإذا كانت المسألة تتعلق بحكم دقيق في الاعتقاد أو بوساوس مستمرة، طلب لها أهل العلم الموثوقون وأهل الاختصاص المناسبون، دون وصم صاحبها لمجرد حاجته إلى المعونة.
ولا يطابق العدل أن نطلب من المنكوب عند الصدمة مناقشة مطولة، أو أن نستخرج حكما على إيمانه من كل جملة غير محررة يقولها. قد يحتاج أولا إلى الأمان والوقت والإصغاء. يبقى تصحيح الكلام واجبا في موضعه، لكن وسيلته وتوقيته يراعيان حال الإنسان ولا يزيدان عليه ألمه بلا حاجة.
الحزن لا ينافي الصبر
عن أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين ـ وكان ظئرا لإبراهيم ـ عليه السلام ـ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف ـ رضى الله عنه ـ وأنت يا رسول الله فقال «يا ابن عوف إنها رحمة». ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وسلم «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». رواه موسى عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم.[٨٥]
اجتمعت دموع النبي صلى الله عليه وسلم وحزنه مع حفظ القول الذي يرضي الله؛ فلا يقاس الصبر بجفاف العين أو انعدام الألم.
ومن الخطأ أن يقال لكل باك: لو رضيت لما حزنت. فالبكاء الطبيعي غير النياحة والاعتراض، والرغبة في لقاء محبوب فقده الإنسان غير اتهام حكمة الله. وقد يطول أثر المصيبة من غير أن يكون طول الحزن وحده برهانا على فساد الإيمان. يحتاج الإنسان إلى تقويم ما يقول ويفعل، لا إلى إنكار ما يجد في قلبه من ألم لا يختاره ابتداء.
ويعين هذا على فهم النهي عن الأسى المذموم والفرح الذي يصحبه البطر في سورة الحديد [الحديد: ٢٣] فقد فسر السعدي الفرح المنهي عنه بفرح البطر والأشر. والجمع بين هذا البيان وبين دموع النبي صلى الله عليه وسلم يمنع أن نحول الإيمان بالقدر إلى طلب جمود عاطفي لا تدل عليه السنة.[٨٦]
الشكوى إلى الله وطلب العون الممكن
قال يعقوب عليه السلام﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وفسر ابن كثير ذلك بشكوى الهم والحزن ورجاء الخير من الله. فالتوجه إلى الله بما يثقل النفس ليس نقيض الصبر. يستطيع العبد أن يقول بصدق إنه يتألم ويخاف ويحتاج، وأن يسأل ربه الفرج من غير أن ينسب إليه الظلم.[٨٧]
وإخبار الطبيب بالمرض، أو رفع المظلوم تفاصيل مظلمته إلى من يستطيع رفعها، ليس بمجرده اعتراضا على الله. وقد يكون إظهار الحاجة لمن يعين على علاجها من السبب المطلوب. يختلف ذلك عن التسخط الذي يتضمن اتهام الرب أو عن نشر أسرار الناس بما لا حاجة إليه. القصد والقول والوسيلة أمور ينظر إليها، ولا يحكم على كل وصف للألم بأنه شكوى محرمة.
ومثل ذلك طلب الإرشاد المهني أو الاجتماعي عند تعطل الكسب. لا ينتقص من التوكل أن يعترف الإنسان بعجزه عن حل مسألة بمفرده. وقد يكون رزقه في معونة يتلقاها ثم يستغني بها، أو علم يكتسبه ممن سبقه. والتواضع لطلب الخبرة يختلف عن تعلق القلب بالمخلوق على وجه لا يليق إلا بالله.
مواساة تحفظ الصدق والكرامة
تبدأ المواساة بفهم الحاجة: إنصات، أو نفقة، أو مرافقة إلى موعد، أو مساعدة في استيفاء حق. وتصدق الكلمة حين تتبعها معونة ممكنة ووعد يفي صاحبه به.
ومن حفظ الكرامة ألا يتحول تقديم المساعدة إلى فرصة للتشهير بالحاجة أو إظهار المنة. ويحتاج الناصح إلى التمييز بين خطأ ظاهر يمكن إصلاحه وبين مجرد نتيجة مؤلمة؛ فقد يكون في الإنفاق إسراف معلوم يصح التنبيه إليه، لكن ذلك لا يبيح افتراض أن كل محتاج مسرف. التعرف إلى الحال يسبق الحكم، ويكون النصح بقدر ما ثبت لا بقدر ما تخيله الناصح.
الدعاء عند المصيبة ورجاء الخلف
عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها». قالت فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.[٨٨]
ثبت دعاء المصيبة والوعد بالخلف في خبر أم سلمة رضي الله عنها، وروت تحقق ذلك في زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم.
غير أن القصة لا تحدد لكل مصاب صورة واحدة للخلف أو وقتا معينا لحصوله. فلا تجعل نصيحة لكل أرملة بأنها ستتزوج حتما من رجل أعلى منزلة، ولا لكل من خسر تجارة بأنه سيملك مثلها مضاعفا. يدعو العبد بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم، ويصدق بوعد الله، ويترك تعيين الصورة والوقت اللذين لم يعينهما النص.
وفي هذا الدعاء اعتراف بأن ما في اليد ليس ملكا أبديا، وطلب للأجر مع طلب الخير بعد المصيبة. ولا يلزم من الصبر أن يتظاهر المرء بأنه لا يريد العوض أو لا يشتاق إلى الفرج. سؤال الخير من الله عبادة، وما يضبطه هو أدب الطلب ومشروعية المطلوب، لا إلغاء حاجة الإنسان.
المقارنة التي تعين على الشكر
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه».[٨٩]
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى النظر إلى من هو أسفل في حظوظ الدنيا حتى لا يزدري الإنسان نعمة الله عليه. وليس المراد أن الأقل مالا أقل كرامة، بل أن انحصار النظر في الأكثر حظا قد يحجب ما بقي عند المرء من نعمة. ومن النافع أن يتفطن الإنسان إلى ذلك في محاسبة نفسه.
ولا يحسن أن يتحول الحديث إلى إسكات للمتألم كلما وصف وجعه، كأن وجود من تألم أكثر منه يبطل حاجته إلى الرعاية. يمكن أن يكون الإنسان شاكرا لما بقي، حزينا على ما فقد، طالبا لما يصلح حاله. وهذه المعاني لا تتنافى لمجرد اجتماعها، وإنما ينظر إلى ما يقترن بها من قول وعمل.
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] فبدل أن ينشغل المرء بزوال ما عند غيره، يسأل الله خيرا مباحا لنفسه ويسعى إليه. وقد بين ابن كثير صلة هذا الأمر بالنهي عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض. لا تمنع القناعة الدعاء ولا تعلم مهارة جديدة ولا الانتقال إلى عمل أصلح؛ إنها تضبط النظر إلى النعمة والناس أثناء السعي.[٩٠]
الباب الرابع
النية والإخلاص في طلب الرزق وأسباب البركة
نبدأ بحقيقة النية، ثم رجاء الثمرات الدنيوية المشروعة، ثم الرياء وحدود الحكم على المقاصد. وفي ضوء هذه الأصول يدرس حديث «هذا لله والرحم»، وتفصل نيات الصدقة والصلة والدعاء، ليخرج القارئ بفهم يعينه على تصحيح عمله ويحفظه من الوسواس ومن تزكية نفسه.
الفصل الحادي والعشرون
الإخلاص ومقاصد طلب الرزق
قد تبدأ الصدقة بحاجة تراها، وتبدأ الزيارة بشوق إلى قريب، ويبدأ العمل بخوف على قوت الأسرة. هذه بواعث يعرفها الإنسان في نفسه، ويستطيع أن يصلها بقصد أرفع: أن يؤدي ما يحب الله، ويرجو ثوابه، ويحفظ حق عباده. فلا يلغى ما في القلب من محبة وحاجة، بل يهذب ويجعل في طريق مشروع.
حاجتك إلى الرزق لا تخرجك من مقام العبودية
لم يؤمر المسلم أن يستغني عن ربه، أو أن يخفي عنه حاجته إلى الطعام والصحة والعمل. وإنما يؤمر أن يعرف افتقاره، ويسأل الله من فضله، ويطلب ما يحل له بالطريق الذي أذن فيه. ولهذا يجمع الدعاء القرآني بين خير المعاش وخير المعاد﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
وبين ابن كثير أن حسنة الدنيا تشمل مطالب متعددة؛ منها العافية وسعة الرزق والعلم النافع والعمل الصالح. فليست الخيرات الدنيوية كتلة واحدة مذمومة، ولا ينحصر الدعاء المشروع في طلب المال.[٩١]
ووجود منفعة ترجوها لا يعني أن دعاءك صار عبادة لغير الله. ينظر فيمن تتوجه إليه، وفي مشروعية مطلبك ووسيلتك. فسؤال المال لسداد دين يختلف عن سؤاله للاستعانة به على ظلم، وإن اشترك الطلبان في لفظ الرزق.
ماذا فعلت ولمن فعلته
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[٩٢]
يبين حديث عمر رضي الله عنه أن صورة العمل لا تكفي لمعرفة مقصده وثوابه؛ فقد يتشابه السفر وتختلف الغاية منه. وفي الرواية المختارة ذُكرت الهجرة إلى الدنيا أو الزواج، فكان حظ العامل تابعا لما نواه. ومن هنا يبدأ سؤال الإخلاص: ما الذي أريده بعملي، ولمن أتوجه به؟
ولفهم النية نحتاج إلى سؤالين. الأول: ما العمل الذي تقصده؟ فقد تسلم مالا زكاة، أو تسد به دينا، أو تهديه لصديق. والثاني: ما الباعث الذي حركك؟ فقد تتصدق ابتغاء مرضاة الله، وقد تتصدق ليشتهر اسمك بالكرم. ولا تكفي إجابة أحد السؤالين عن الآخر؛ فمعرفة نوع العمل غير معرفة مقصود العامل منه.
وإرجاع المال إلى صاحبه يحقق وصول حقه إليه، ولو لم يستحضر من أعاده الاحتساب. أما الثواب المتعلق بإرادة وجه الله فله شأن آخر. فلا يحبس الإنسان حق غريمه حتى يشعر بصفاء كامل في قلبه؛ يؤدي الحق ويصلح قصده.
وقد فرق السعدي، عند تفسير آية النجوى، بين ما في الصدقة والمعروف والإصلاح من خير، وبين كمال الأجر المتعلق بالإخلاص. فالآية تمدح هذه الأعمال، ثم تعد بالأجر العظيم من فعلها ابتغاء مرضاة الله [النساء: ١١٤] وهذا يعلمنا أن نطلب صلاح العمل وصلاح القصد معا، وأن نتجنب الحكم على القلوب من مجرد رؤية أثر نافع.[٩٣]
الأجرة المباحة والاحتساب
من تعلم النجارة ليكسب، أو التحق بعمل مباح ليعول أسرته، لم يرتكب رياء لمجرد إرادته الراتب. فهذه من أعمال المعاش التي يطلب بها الناس منافعهم المشروعة. وله أن يرتقي بقصده، فيستحضر الاستعفاف عن الحرام، والقيام بحق من يعول، وخدمة الناس بالصدق والإتقان. ولا يلزمه أن ينكر حاجته إلى الأجرة لكي يكون صادقا في احتسابه.
عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها، كانت له صدقة».[٩٤]
تسد نفقة الأهل حاجة البيت، ويفتح الاحتساب فيها باب الأجر. فيصل المسلم محبته لأهله بما أمر الله به، ويؤدي حقهم من مال حلال.
وبهذا يظهر الفرق بين العامل الذي يبيع خدمة مباحة بأجرة معلومة، وبين من يعرض عبادته على الناس ليشتري بها ثناءهم. وقد يجتمع في حياة الشخص عمل مهني وعبادة ونشاط اجتماعي؛ فلا يحكم على الجميع بمنطق واحد، بل ينظر إلى كل فعل وما شرع له. كما لا يحل كسب محرم لأن صاحبه ينوي الإنفاق على أسرته؛ فالنية الصالحة تحتاج إلى وسيلة مشروعة.
إرادة الدنيا وحدها أوسع خطرا من مجرد الحاجة إليها
في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥] يبين السعدي خطر انحصار إرادة الإنسان في الدنيا وإهماله الآخرة. وهذه صورة كلية في وجهة الحياة؛ فلا تحمل آياتها على أن كل موظف يريد راتبا، أو مريض يسأل الشفاء، داخل في الحكم نفسه.[٩٥]
وفي العبادة المعينة فرق بين من يتقرب إلى الله ويرجو فضله، وبين من يتخذ صورتها لغرضه وحده ولا يريد تقربا. وهذا لا يشمل سؤال الله الرزق؛ فإنه دعاء مشروع. فليس السؤال فقط: هل أريد شيئا؟ بل: هل أطلبه على وجه يرضي الله، وأحفظ حقه وحقوق عباده؟
صلاح المقصد وصلاح الطريق
يقرر ابن القيم في منزلة الإخلاص اجتماع إخلاص القصد لله مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالعمل يحتاج إلى الجهتين: لا يصلح طريق محرم لمجرد نبل غايته، ولا يكفي حسن صورته إذا قصد به التزين للخلق. وهذا أصل يرجع إليه الكاسب والمتصدق والواصل؛ يجدد قصده، ويتعلم حكم عمله، ويطلب من الله القبول.[٩٦]
وقد يرث الإنسان مالا لم يسع في تحصيله، ثم تبدأ مسؤوليته عنه حين يصل إليه. وقد يكسب آخر مالا بتعب طويل، ثم يكون إحسانه في طريقة إنفاقه. فالنية لا تخص لحظة البداية وحدها؛ إنها تصحب حفظ المال وبذله، وصبر العامل على أمانته، وقراره أن يترك ما تبين له ضرره أو تحريمه.
الفصل الثاني والعشرون
رجاء الوعد الدنيوي واجتماع المقاصد
يرغب القرآن والسنة في خير الدنيا والآخرة، ثم يأمران بإخلاص العبادة لله. وقد يتوهم القارئ تعارضا بين الأمرين، فيظن أن مجرد سروره ببركة يرجوها يفسد قصده. يزول جانب كبير من هذا الوهم حين نعرف حقيقة المنفعة التي يريدها، ومن الذي يسألها، وما موقعها من عبوديته.
عندما يرغب النص في أثر دنيوي
سبق نص حديث «من أحب أن يبسط له في رزقه» وتخريجه في الفصل ٤.
يخاطب الحديث محبة الإنسان للسعة ويهديه إلى صلة الرحم؛ فلا يجعل مجرد رجاء هذا الأثر سببا لاتهام العامل.
وقررت فتوى إسلام ويب في ملاحظة الوعود الدنيوية جواز رجائها عند العمل الصالح، ونقلت عن ابن حجر استدلاله بالحديث على جواز هذه المحبة. وهذا نقل عنه بواسطة الفتوى. ودلالة الحديث التي ينبني عليها الجواب أن رجاء فضل الله الموعود لا يساوي طلب ثناء المخلوقين بالعبادة؛ فمصدر الرجاء ومضمونه مختلفان.[٩٧]
ويجتمع في الصلة أن تمتثل أمر ربك، وتحسن إلى قريبك، وترجو ثوابك وبركة رزقك. هذه المعاني لا تتدافع من أصلها. ومع ذلك يبقى للعمل حقه؛ فلا تختزل الصلة في اتصال شكلي، ثم تستبيح القطيعة إذا لم تظهر زيادة في مالك. الذي رغبك في ثمرتها هو الذي أمر بحقها، ولم يجعل الواجب معلقا بقدرتك على رصد الربح.
المنفعة التابعة ليست صورة واحدة
قد تكون المنفعة أثرا وعد به الوحي، وقد تكون أمرا عاديا يصاحب العبادة، وقد يكون تعلق القلب بها شديدا حتى تزاحم مقصد التقرب. ومن الخطأ أن تسمى هذه الصور كلها رياء؛ فالرياء يتعلق بإظهار العمل للخلق طلبا لمنزلته عندهم، أما تبرد المتوضئ بالماء فليس هو هذا المعنى. ومن الخطأ المقابل أن يعد كل غرض مباح مساويا في أثره على الأجر لتجريد القصد لله.
قال ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في مواسم الحج.[٩٨]
وأصل الجمع بين الحج والتجارة منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وروى البخاري عن ابن عباس خبر تحرج المسلمين من التجارة في الأسواق التي عرفوها قبل الإسلام، حتى نزلت الآية في مواسم الحج. فهذا أثر صحيح عن صحابي يبين سياق الإباحة.
ولا تفيد إباحة التجارة سقوط أعمال الحج أو تساوي الناس في الإخلاص، وإنما تمنع الحكم ببطلان النسك لمجرد وجود تجارة مباحة معه. فصحة العبادة حكم، وتمام أجرها حكم آخر، والربح التجاري نتيجة ثالثة. قد يصح العمل وتختلف درجته، وقد يخسر التاجر مع صحة حجه؛ فلا يقرأ أحد هذه الأمور بوصفه دليلا لازما على الآخر.
ماذا قال العلماء في تشريك غرض مباح
ذكر ابن رجب في شرح حديث النيات أن دخول بعض الأغراض المباحة، كالتجارة أو الأجرة، في قصد الجهاد قد ينقص الأجر ولا يبطله كله، وميز ذلك من الرياء. ونقل عن الإمام أحمد تفاوت الأجر بحسب ما يخلص من النية. والكلام في هذه الصور لا يجيز تعميم حكم واحد على جميع العبادات والمنافع.[٩٩]
ومن أمثلة الخلاف الفقهي الوضوء بنية رفع الحدث والتبرد. تنقل فتوى إسلام ويب عن المهذب وشرح النووي صحة الوضوء في القول المذكور؛ لأن قصد التبرد لا ينافي الطهارة، وتذكر قولا مخالفا. كما تعرض نظائر من كلام الفقهاء في اجتماع القربة والغرض المباح. فالجواز هنا ليس دعوى إجماع، ولا نفيا لكل تفاوت في الثواب.[١٠٠]
وفي فتوى الشيخ سعد الخثلان عن قراءة القرآن لتحقيق أمر دنيوي، منع انفراد الغرض الدنيوي مع انتفاء التقرب، وأجاز اجتماع التقرب مع الغرض الدنيوي، مع نقص الأجر بالنسبة إلى تمحض القصد. فهذه فتوى معلومة القائل والسياق، وليست قاعدة تبيح إبطال كل طاعة صاحبها أمل في العافية، أو تحريم كل سؤال لحاجة.[١٠١]
ما الذي يمكن جمعه من هذه الأقوال
تظهر من النصوص والفتاوى مسائل ينبغي إبقاؤها متميزة. فرجاء الوعد الوارد في النص مشروع في الجملة. واقتران العبادة بغرض مباح عادي فيه تفصيل في الصحة والأجر. وتعمد الرياء باب مذموم بنصوصه. أما انتفاء قصد التقرب من العبادة المحضة فليس كوجود منفعة تابعة مع بقاء التقرب. وهذه التفرقة أدق من قول مطلق: كل مصلحة تفسد العمل، أو قول مقابل: كل مقصد دنيوي لا يؤثر فيه.
ولا نملك أن نحول تفاوت المقاصد إلى نسب حسابية لأجور الناس. ليس في أيدينا ميزان يقول إن محبة الرزق أنقصت نصف الأجر، أو إن الرغبة في الراحة أخذت ثلثه. وإنما نعلم الأصول التي جاء بها الشرع، ونصلح ما نستطيع من البواعث، وندع العلم المحيط بالقلب والجزاء إلى الله.
الرجاء غير اشتراط العوض
قد يعمل الإنسان صالحا وهو يقول في قلبه: أرجو أن يبارك الله لي فيما أعطاني. وقد يعمل آخر كأنه ألزم ربه بموعد ومقدار لم يرد بهما وعد. يتشابه اللفظ أحيانا، وتفترق حقيقة الموقف؛ فالأول مفتقر يسأل، والثاني يحاسب النتائج على شرط وضعه لنفسه. والإخلاص يصحب الرجاء، ويمنع أن تتحول العبادة إلى منة على الله.
وفي حديث ابن القيم عن آفات العمل تنبيه إلى رؤية العبد لعمله وطلب العوض عنه على جهة المعاوضة والاستحقاق الذاتي. وينبه إلى فضل الله في التوفيق والثواب. ويقرأ هذا مع نصوص الرجاء والسؤال؛ فلا يحمل على إسقاط طلب الجنة أو المغفرة أو الرزق الذي شرع الله دعاءه، بل على ترك العجب واعتقاد أن العبد يفرض بثمن عمله ما لم يعده الله.[١٠٢]
الفصل الثالث والعشرون
الرياء والشرك وحدود الحكم على المقاصد
قد لا يعرف الناس من العمل إلا ظاهره، أما صاحبه فيجاهد باعثا قد يتغير بين بدء العمل ونهايته. ينفعه الثناء أحيانا من حيث التشجيع، ويخشى أن يصير هو الغاية التي يعمل لها. وهذه المجاهدة تحتاج إلى علم يبين الخطر من غير أن يحول كل خاطر عابر إلى حكم على الإيمان.
الرياء طلب منزلة بالعبادة عند الخلق
عن سليمان بن يسار، قال تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل أهل الشام أيها الشيخ حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار».[١٠٣]
قد يرى الناس نفع العمل، ويكون باعث صاحبه طلب الثناء. فالتحذير متعلق بحقيقة القصد، ولا يكفي حجم الإنفاق أو حسن أثره للحكم بإخلاص العامل.
وصف الشرك يحتاج إلى ضبط
عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟».[١٠٤]
تسمية الرياء شركا أصغر تكشف خطر أن تتحول العبادة إلى طلب منزلة عند الناس. وفي خاتمة الخبر ما يوقظ العامل إلى سؤال الجزاء: ممن ينتظر ثواب ما عمل؟
أما صرف العبادة لغير الله فباب آخر في أصله، ومنه توجيه الدعاء التعبدي إلى غيره فيما اختص به سبحانه. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ولا تدخل في هذا كل استعانة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ فسؤال الطبيب العلاج، وطلب العمل من صاحبه، وطلب قرض جائز، ليست عبادة بمجرد كونها طلبا للنفع.
وبين هذه الصور أيضا شخص أدى عملا مباحا من غير احتساب خاص. لا يساوي غياب الاحتساب تعمد الرياء، ولا يساوي فساد مقصد في عمل معين الحكم بزوال أصل الإيمان. وهذه حدود يحتاجها خطاب التربية؛ لأن إطلاق المصطلح الكبير على كل ضعف يوقع الناس في الحيرة، وقد يحملهم على ترك الخير الذي يستطيعون إصلاحه.
ومع بيان الحكم العام لا يجوز الجزم بما في قلب شخص بعينه من خبر ناقص. فقد أعلن صدقته ليقتدي به الناس، أو طلب سترها لخوفه على نفسه، أو اضطر إلى توثيقها لأداء أمانة. لا تمنحنا الصورة الخارجية علما محيطا بالمقصود. ويكفي في النصيحة بيان الخطر والمعنى الصحيح، مع ترك اتهام النيات بغير بينة.
الخاطر الذي تقاومه غير القصد الذي تختاره
ذكر ابن رجب أن من بدأ العمل لله ثم عرض له خاطر الرياء فدفعه لا يضره ذلك، ونقل الخلاف في أثر الاسترسال مع الرياء الطارئ، مع تفصيل بين الأعمال المتصلة وغيرها. فالتفصيل في مسألة الطارئ يمنع إطلاق حكم واحد على كل خاطر أو كل عبادة.[١٠٥]
ويظهر أثر ذلك في حياة المتصدق؛ فقد يخطر له أن الناس سيحسنون الظن به، فيكره تعلقه بهذا الخاطر ويواصل العطاء لله. لا تكون مجاهدته للخاطر هي نفسها استسلاما له. وقد يتعمد آخر توسيع الإعلان ليحصل على مدح معين؛ فيحتاج إلى تصحيح هذا القصد. وليس العلاج في الحالتين واحدا، ولا يصح مطالبة كل عامل بإعادة عباداته لأنه تذكر وجود الناس.
كما لا يلزم من تغير النية في بعض عمل طويل الحكم على كل ما سبقه بالفساد. المسائل التي يترتب عليها إجزاء عبادة أو إعادتها تحتاج إلى تحرير نوع العمل وحاله، وتعرض على أهل العلم عند الاشتباه. أما القاعدة التربوية القريبة فهي أن يجدد المسلم إخلاصه فور شعوره بالمزاحمة، ويترك ما تعمده من تصنع، ويستمر في أداء الحق.
الثناء غير المطلوب وإظهار الخير
عن أبي ذر، قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال «تلك عاجل بشرى المؤمن».[١٠٦]
الثناء الذي يأتي بعد العمل من غير أن يصنعه العامل غايته لا يحول الخير إلى رياء. ويفرح المؤمن بفضل الله ويحذر أن يصبح الثناء باعثه في العمل الآتي.
عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».[١٠٧]
الإخفاء طريق لصيانة النية، ولا يلزم من فضله تحريم كل إعلان.
عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال «{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} إلى آخر الآية { إن الله كان عليكم رقيبا} والآية التي في الحشر { اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله} تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره – حتى قال – ولو بشق تمرة». قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت – قال – ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء».[١٠٨]
كان لظهور المبادرة أثر في تحريك الناس إلى الصدقة. لذلك يراعى في الإعلان مقصده والحاجة إليه وطريقته وحقوق المستفيدين.
يفرق في التبرعات بين توثيق وصول المال وبين عرض حاجة الفقير لإبراز المعطي. وقد تكفي بيانات صادقة تحفظ الأمانة بلا كشف وجه المحتاج أو تفاصيل تؤذيه.
الفصل الرابع والعشرون
إخلاص العمل وصلة الرحم
أن يكون العمل لله
عن الضحاك بن قيس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول أنا خير شريك من أشرك بي فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما خلص ولا تقولوا هذا لله والرحم فإنه للرحم وليس لله منه شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنما هو لوجوهكم وليس لله فيه شيء».[١٠٩]
يحذر الحديث من أن تُنسب العبادة إلى الله بينما يقصد بها العامل رضا الخلق على وجه ينافي الإخلاص. وليس مجرد انتفاع القريب بالعطاء تشريكا له في العبادة؛ فجهة التعبد شيء، والجهة التي يصل إليها نفع الإحسان شيء آخر.
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».[١١٠]
ويقرر الحديث القدسي أصل التحذير من العمل الذي يُشرك فيه مع الله غيره. فصلاح صورة العطاء ونفع الناس به لا يغنيان عن إصلاح الباعث الذي يحرك صاحبه.
كيف يجتمع مع مضاعفة أجر الصدقة على القرابة
عن زينب امرأة عبد الله قالت كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال «تصدقن ولو من حليكن». وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال فقالت لعبد الله سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة فقال سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال فقلنا سل النبي صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري وقلنا لا تخبر بنا. فدخل فسأله فقال «من هما». قال زينب قال «أى الزيانب». قال امرأة عبد الله. قال «نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة».[١١١]
يجمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بين أجر القرابة وأجر الصدقة. فالإحسان إلى القريب امتثالا لأمر الله باب اجتماع لجهات الخير، ولا تخرج الصدقة من القبول لمجرد أن نفعها وصل إلى قريب.
وليس من الدقة أن يفسر الوعيد بأنه لا يقع إلا إذا اعتقد العامل أن قريبه إله يعبده؛ فالرياء قد يقع ممن يقر بأن الله وحده المعبود. كما ليس من الدقة أن يدخل فيه كل دافع عاطفي؛ فإن محبة الأهل والرحمة بالمحتاج ليستا في نفسيهما عبادة لهم. وبين الخطأين تظهر الحاجة إلى تحرير المقصد الفعلي.
عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك»[١١٢]
تجتمع في هذه النفقة العشرة والمحبة والاحتساب؛ فابتغاء وجه الله لا يشترط زوال المحبة الزوجية.
عبارات محتملة تحتاج إلى بيان
إذا قال متصدق: فعلت هذا لله ولأجل أمي، فقد يريد امتثال أمر الله ببرها؛ وهذا معنى صحيح، والأوضح أن يقول: بررت أمي لله، وأرجو أجر برها. وقد يريد أن يظنه الناس بارا كريما، فيحتاج إلى مجاهدة الرياء. ولا يفصل بين الاحتمالين شكل العبارة وحده، ولا علمنا بأن الأم فرحت بما فعل.
وكذلك من زار قريبه محبة له وأداء لحقه لا يقال له إن محبتك جعلت قريبك شريكا لله. والذي زاره ليحصل على توصية في عمل يحتاج إلى النظر في حقيقة زيارته: هل هي طلب مساعدة مباحة بأدب، أم ادعاء قربة لا يريدها، أم استغلال ومجاملة تحمل على باطل؟ اختلاف الصورة مؤثر، وليس مجرد وجود المصلحة كافيا للحكم بالشرك.
والأحوط للسان والأبين للقلب أن تنسب العبادة إلى الله وحده، ثم تبين وجوه الخير التي قصدتها امتثالا: أتصدق لله على قريبي، وأرجو ثواب الصدقة والصلة، وأسأله أن يبارك لي. هذه صياغة توضيحية للمعنى، وليست ذكرا مأثورا يلزم التلفظ به قبل العطاء، ولا شرطا لصحة النية.
الفصل الخامس والعشرون
الصدقة والصلة والدعاء بنية السعة
بعد تحرير الأصول، تقترب المسألة من سؤال يقوله الناس بعبارات مختلفة: أتصدق وأرجو السعة، وأستغفر وأرجو الولد، وأصل رحمي وأحب أن يبارك الله لي. لا يجاب عن كل هذه الصور بكلمة واحدة قبل فهمها. ننظر إلى حقيقة الفعل والقصد والدليل، فنثبت الرجاء المشروع ونصحح ما اختلط به.
أتصدق لله وأرجو أن يوسع رزقي
عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».[١١٣]
يجتمع في الصدقة التقرب إلى الله ورجاء فضله وبركته. ويقتضي صدقها مالا طيبا ومصرفا مشروعا وحفظا من المن والأذى، ولا يفسدها مجرد محبة سلامة المال ورجاء الخلف.
وذكر النووي في شرح الحديث وجهين: جبر النقص الظاهر ببركة المال ودفع المضرات، أو جبره بما يترتب على الصدقة من الثواب المضاعف. فالمعنى لا ينحصر في زيادة نقدية فورية يمكن للمتصدق تحديد نسبتها وموعدها.[١١٤]
وعلى هذا، لا يصح أن يقال لمحتاج: ادفع هذا المبلغ، وسيعود إليك أضعافه خلال أسبوع. هذا تحديد زائد يحتاج إلى دليل، وقد يستنزف من لا يملك كفايته. لا يوضع طالب السعة أمام اختيار متوهم بين الثقة بوعد الله وبين سداد أجرة مسكنه أو نفقة من يعول. فترتيب الحقوق جزء من الطاعة التي يرجو بها البركة.
أما فعل مستجلبات الرزق لأجل الدنيا وحدها فيحتاج إلى تحرير المراد. فمن يتقرب إلى الله بالصدقة، مصدقا وعده راجيا رزقه، له صورة معروفة بالأدلة المتقدمة. وأما من لا يقصد قربة أصلا، ويتعامل مع الإخراج كحيلة مالية مجردة، فليس كالأول في حقيقة النية. والحكم على العبارة المجملة «أتصدق لكي أرزق» يتوقف على مراده، فلا يصح إجازة كل ما تحتمل، ولا إدانة كل قائل لها.
أصل رحمي وأرجو السعة فماذا لو لم أرها
أن محمد بن جبير بن مطعم، قال إن جبير بن مطعم أخبره أنه، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «لا يدخل الجنة قاطع».[١١٥]
تبقى الصلة حقا شرعيا، وتبقى القطيعة ممنوعة، سواء لاحظت زيادة في دخلك أم لم تلاحظها. ففي الصحيح الوعيد على قاطع الرحم. ورجاء الثمرة يزيدك رغبة في الامتثال، لكنه لا يجعل أصل الواجب قابلا للإلغاء إذا تأخر ما تمنيت.
وفي التطبيق قد تفتح زيارة قريب باب معرفة بعمل مناسب، وقد لا يقع فيها شيء من ذلك. يجوز الانتفاع بتعاون الأسرة المباح، لكن لا تختزل القريب في طريق إلى وظيفة. فتسأل عنه لحقه، وتساعده بقدر استطاعتك، وتقبل أن تكون بعض الصلة خدمة تقدمها أنت، لا فرصة تحصل عليها لنفسك.
وإذا كانت علاقة معينة تشتمل على أذى، بحثت الصورة الممكنة للصلة التي تحفظ الحق وتدفع الضرر، واستعنت بأهل العلم في حالتك. لا يستخرج من وعد بسط الرزق وجوب تحمل كل ظلم أو تمكين المؤذي من مالك. كما لا يتخذ كل ضيق في العلاقة مسوغا لقطع الحقوق. ضبط الوسيلة هنا جزء من فقه الصلة، لا اعتراض على فضلها.
أستغفر ليأتيني المال أو الولد
ورد الترغيب بالاستغفار في دعوة نوح عليه السلام، وذكر ما يترتب عليه من المطر والمال والبنين [نوح: ١٠–١٢] فهذه منافع دنيوية ذكرها الوحي. وفسر السعدي الأمر بالاستغفار بترك الذنوب وطلب المغفرة منها؛ فالاستغفار رجوع إلى الله، وليس مجرد تحريك اللسان مع تحويل الذنب إلى أمر لا يراد تركه.[١١٦]
ويجوز أن يكون تذكر هذه الوعود باعثا لك على التوبة والرجاء. لكن لا تضف إليها أعدادا أو آجالا وتعد الناس أن نتيجتها اللازمة ولد أو وظيفة بعينها. ومن بدأ الاستغفار عند ضيق رزقه، ثم عرف تقصيره وتاب منه، لا يرد عن هذا الباب بحجة أن حاجته كانت سبب انتباهه. المطلوب صدق رجوعه، وتعلم ما عليه، ومواصلة ذلك بعد انكشاف الكربة.
أدعو بحاجة دنيوية محددة
عن أبي هريرة، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياى التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر».[١١٧]
يجوز سؤال الله عملا حلالا وشفاء وقضاء دين وولدا صالحا. ويجمع الدعاء النبوي صلاح المعاش بصلاح الدين والمعاد، فلا يشترط في الدعاء خلوه من حاجة شخصية مشروعة.
والدعاء عبادة لله حين تتوجه إليه مفتقرا وتسأله ما يجوز سؤاله. ولا يقاس بمجرد الاشتراك في كلمة «دنيوي» على من يصلي فقط ليراه صاحب وظيفة. في الصورة الأولى تطلب من ربك، وفي الثانية تعرض صورة التعبد على مخلوق لتحصل منه على غرضك. هذا الفرق في حقيقة الفعل يحل كثيرا من الالتباس.
أصدق في تجارتي حتى يثق الناس بي
عن عبد الله بن الحارث، رفعه إلى حكيم بن حزام ـ رضى الله عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ـ أو قال حتى يتفرقا ـ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما».[١١٨]
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صدق المتبايعين وبيانهما سبب لبركة البيع، وأن الكذب والكتمان يمحقان بركته. فمن امتثل ذلك ورجا البركة فقد رجا ما دل عليه الحديث. وقد تنتج عن الصدق ثقة العملاء وحسن السمعة؛ وهما أثران مباحان في المعاملة إذا لم يقترنا بتضليل.
أما اختبار استقامة التاجر فليس في قوله إنه يحب السمعة الحسنة، بل في حفظه الصدق حين تكون الحقيقة أقل ربحا له. فإذا أخفى العيب لأن العميل لن يكتشفه، لم يعوض هذا الكتمان إعلان التدين أو التصدق بشيء من الربح. ولا يصح أن يستخدم نصوص البركة لتسويق منتج بدعوى ضمان شرعي لعائد لم يثبت.
ومن أدى الأمانة بدافع المحافظة على مكانته المهنية فقط لا يوصف تلقائيا بالرياء التعبدي؛ فالأصل أنه في معاملة مهنية. لكنه مدعو إلى احتسابها لله، وإلى الثبات عليها حين لا يراه أحد. ولا تكفي النية المدعاة لإلغاء مسؤولية التاجر عن وصف كاذب أو حق ضائع.
أحب أهلي وأرجو الأجر في خدمتهم
عن أبي ذر، أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».[١١٩]
ليست المحبة الطبيعية عدوا للاحتساب. وقد دل حديث أبي ذر في صحيح مسلم على إمكان الأجر في قضاء الشهوة بالحلال. فاجتماع لذة مباحة مع عمل مشروع لا يجعل الإنسان مرائيا من تلقاء نفسه، ولا يطلب منه أن يصير خاليا من الطباع التي فطر عليها.
وتنقل فتوى إسلام ويب في تشريك النية أن البر بالوالدين ومحبتهما من الطاعة، وأن وجود المحبة لا ينافي نية القربة إذا وجدت. وفيها أيضا نقل عن الشيخ عبد الكريم الخضير في جواز اقتران العبادة بغرض مباح مع تفاوت الأجر. فتراعى الفروق بين محبة مأمور بها، وغرض تابع، ورياء محرم، بدل جعلها مرتبة واحدة.[١٢٠]
وفي الأعمال التي تمس الصحة، لا يحول بحث النية إلى تقرير طبي بأن عبادة معينة تعالج كل مرض. صحة القصد مسألة، وملاءمة الصوم أو غيره لحال المريض مسألة أخرى لها تقديرها. فلا يحمل محتاج إلى العلاج على ممارسة تضره بحجة أن الغرض الصحي إذا اقترن بالعبادة كان مباحا؛ فالإباحة في المقصد لا تعني تحقق المنفعة في كل بدن.
الفصل السادس والعشرون
تصحيح النية في الكسب والعبادة
لا تستقيم النية بمجرد معرفة تعريفها. إنها تظهر حين تعرض فرصة ربح، أو يحضر ثناء، أو يثقل حق، فيختار الإنسان ما يرضي الله بقدر ما يستطيع. ومن رحمة الله أن باب الإصلاح مفتوح؛ يستطيع العامل أن يجدد قصده وهو في عمله، وأن يتوب مما تبين له، وأن يبدأ الخير الذي أخره.
ابدأ بإصلاح مقصد يمكنك معرفته
ولا يلزم التلفظ بصيغة قبل كل معاملة أو زيارة. المقصود أن يريد القلب الخير المشروع، ويعرف العامل لماذا يفعله. وقد تبقى النية العامة مع استمرار العمل، وقد يحتاج المرء إلى تذكرها عند تغير الظروف. أما تحويلها إلى مراجعة لفظية مرهقة في كل دقيقة فقد يشغله عن العمل الذي يريد إصلاحه.
لا تجعل المحتاج مدينا لصدقتك
قال الله تعالى في وصف الأبرار﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ويبين السعدي أن المقصود نفي طلب المقابل المالي والثناء منهم. فالرجاء متوجه إلى الله، ولا يحمل الفقير تبعة إثبات كرم المعطي.[١٢١]
ولا يعني هذا إسقاط حق ثابت لك في معاملة أخرى. فمن تصدق على إنسان ثم أقرضه قرضا معلوما لا يلزمه إسقاط الدين لأن الصدقة لله. تفصل الحقوق بأمانة، فلا تستعمل الصدقة للإكراه، ولا تستعمل دعوى الإخلاص لإضاعة حق مستقل. وضوح المعاملات يعين على صفاء النية، ويقلل الخصومات التي تنشأ من الخلط بين العطاء والعوض.
أصلح النية حين تتغير ظروفك
قد تبدأ مشروعا تريد به الكفاية وخدمة الناس، ثم تكبر الأرباح، فيدخل عليك التفاخر أو التساهل في الحقوق. وقد تنفق سرا، ثم يمدحك الناس، فتجد نفسك بعد ذلك تختار ما يظهر لهم أكثر. لا يقتضي اكتشاف هذا التغير اليأس من إصلاحه؛ لكنه يدعوك إلى قرار عملي يعيد الحق إلى موضعه.
إذا تأخرت الثمرة التي رجوتها
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل». قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال «يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء».[١٢٢]
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال في الدعاء، وبين منه أن يدعو الإنسان ثم يترك الدعاء لأنه لم ير الإجابة. فالعبد مأمور بالرجاء والصبر، ولا يجعل رؤيته المحدودة للأثر حكما على قدرة الله أو صدق وعده.
وهذا لا يمنع مراجعة الأسباب العملية. فمن دعا لوظيفة ولم يوفق إليها يمكنه تحسين مهارته وتوسيع بحثه واستشارة أهل الخبرة، مع استمرار دعائه. ومراجعة خطته لا تعني أنه تراجع عن التوكل، كما أن طول بحثه لا يدل وحده على فساد نيته. إنما يجمع ما يستطيع من أسباب مشروعة، ويعلم أن النتائج ليست كلها تحت اختياره.
اسأل الله إصلاح القلب كما تسأله صلاح المعاش
عن زيد بن أرقم، قال لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كان يقول «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها».[١٢٣]
يسأل المؤمن ربه تزكية نفسه، ولا يعتمد على معرفته النظرية وحدها؛ فقد يفهم أبواب الرياء ثم يحتاج عند المال والمدح والخصومة إلى عون الله.
حين تسأل رزقا واسعا، اسأل معه قلبا يؤدي حقه، واستمر في إصلاح ما تعرف من قصدك وعملك. وتفصيل الطريق إلى الكسب والتعلم وموازنة الفرص موضوع المجلد الثاني، وترد وسائل التدريب والمراجعة في المجلد الثالث.
فهرس مواضع الآيات
يحيل هذا الفهرس إلى السورة والآية أو المقطع المذكور صراحة في المتن، وإلى فصله في هذا المجلد. والنصوص وشروحها في مواضعها.
النحل: ٥٣ • فصل ١
لقمان: ٢٠ • فصل ١
الذاريات: ٥٨ • فصل ٢
العنكبوت: ٦٠ • فصل ٢
النساء: ٢٩ • فصل ٣
الرعد: ٣٩ • فصل ٤
الحجرات: ٧ • فصل ٥
الحجرات: ١٧ • فصل ٥
طه: ١١٤ • فصل ٦
البقرة: ٢٤٧ • فصل ٧
الأنبياء: ٨٠ • فصل ٧
القصص: ٢٦ • فصل ٧
النور: ٣٢ • فصل ١٠
النور: ٣٣ • فصل ١٠
النحل: ٨٠ • فصل ١٢
عبس: ٢٤ • فصل ١٣
النساء: ٥ • فصل ١٤
يوسف: ٤٧–٤٩ • فصل ١٤
النساء: ٤٠ • فصل ١٥
الزخرف: ٣٢ • فصل ١٥
الطلاق: ٧ • فصل ١٥
الأنبياء: ٣٥ • فصل ١٦
الفجر: ١٥–١٧ • فصل ١٦
الإسراء: ٢٠ • فصل ١٦
الشورى: ٢٧ • فصل ١٧
الكهف: ٨٢ • فصل ١٧
المؤمنون: ٥٥–٥٦ • فصل ١٧
يس: ٤٧ • فصل ١٨
النساء: ١٣٥ • فصل ١٨
البقرة: ١٧٧ • فصل ١٨
البقرة: ١٥٥ • فصل ١٩
الأنبياء: ٤٧ • فصل ١٩
الحديد: ٢٣ • فصل ٢٠
يوسف: ٨٦ • فصل ٢٠
النساء: ٣٢ • فصل ٢٠
البقرة: ٢٠١ • فصل ٢١
النساء: ١١٤ • فصل ٢١
هود: ١٥ • فصل ٢١
البقرة: ١٩٨ • فصل ٢٢
الجن: ١٨ • فصل ٢٣
نوح: ١٠–١٢ • فصل ٢٥
الإنسان: ٩ • فصل ٢٦
دليل المصادر والإحالات
المصادر المستعملة في حواشي هذا المجلد، مع إحالات إلى الفصول التي وردت فيها. وعند النقل بواسطة يبين ذلك في موضعه؛ ولا تعني الإحالة اعتماد جميع مرويات المصدر أو اختياراته.
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير النحل، الآية ٥٣ • فصل ١
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير لقمان، الآية ٢٠ • فصل ١
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٢٥. قال الترمذي: حسن صحيح. • فصل ١
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٤٣٥. • فصل ١
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٤٦. قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. • فصل ١
ابن كثير، تفسير هود، الآية ٦ • فصل ٢
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير العنكبوت، الآية ٦٠ • فصل ٢
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٥٣. • فصل ٢
البخاري، الصحيح، حديث ٣٢٠٨. • فصل ٢
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٥٨. • فصل ٣
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤١، مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. • فصل ٣
ابن كثير، تفسير النساء، الآية ٢٩ • فصل ٣
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠١٥. • فصل ٣
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٥٩. • فصل ٣
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤٠–٥٤١، مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. • فصل ٤
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١١٩–١٢٠، إثبات الأسباب والمسببات. • فصل ٤
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٨٦. • فصل ٤
النووي، شرح صحيح مسلم، ١٦/١١٤، شرح بسط الرزق والنسء في الأثر. • فصل ٤
تتمة شرح النووي، ١٦/١١٥ • فصل ٤
ابن كثير، تفسير الرعد، الآية ٣٩ • فصل ٤
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠٥٤. • فصل ٥
البخاري، الصحيح، حديث ٧١. • فصل ٦
البخاري، الصحيح، حديث ٧٣. • فصل ٦
السعدي، تفسير البقرة، ٢٦٩: فضل الحكمة. • فصل ٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٦٤. • فصل ٧
ابن كثير، تفسير الأنبياء، الآية ٨٠ • فصل ٧
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٢. • فصل ٧
أبو داود، السنن، حديث ٥٠٩٠. حكم الألباني: حسن الإسناد. • فصل ٨
سنن أبي داود، حديث ٥٠٩٠؛ حكم الألباني: حسن الإسناد. • فصل ٨
البخاري، الصحيح، حديث ١٩٧٧. • فصل ٨
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٩٨. قال الترمذي: حسن صحيح. • فصل ٨
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤١٢. • فصل ٨
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٢٠٤. • فصل ٨
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤١٦. • فصل ٩
انظر: الشورى، الآيتان ٤٩–٥٠؛ والروم، الآية ٢١؛ والكهف، الآية ٤٦؛ والتغابن، الآية ١٥. • فصل ١٠
الترمذي، الجامع، حديث ١٦٥٥. قال الترمذي: حسن. • فصل ١٠
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٤٤. • فصل ١٠
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٦٤. • فصل ١٠
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٤٦٧. • فصل ١٠
البخاري، الصحيح، حديث ٥٥٣٤. • فصل ١١
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٦٧. • فصل ١١
السعدي، تفسير النحل، الآية ٨٠ • فصل ١٢
ابن كثير، تفسير قريش، الآية ٤ • فصل ١٢
ابن كثير، تفسير البقرة، الآية ١٢٦ • فصل ١٢
السعدي، تفسير عبس ٢٤: وما بعدها. • فصل ١٣
البخاري، الصحيح، حديث ٢٣٢٠. • فصل ١٣
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٥٥٢. • فصل ١٣
السعدي، تفسير النساء، الآية ٥ • فصل ١٤
النووي، شرح صحيح مسلم، شرح حديث ١٠٥٤ • فصل ١٤
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥٧. • فصل ١٤
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير النساء، الآية ٤٠ • فصل ١٥
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٧٧. • فصل ١٥
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الزخرف، الآية ٣٢ • فصل ١٥ • فصل ١٧
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الطلاق، الآية ٧ • فصل ١٥
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٨/١٤١–١٤٦، شرح حديث «إني حرمت الظلم على نفسي». • فصل ١٥
الطبري، جامع البيان، تفسير الأنبياء، الآية ٣٥ • فصل ١٦
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الفجر، الآية ١٧ • فصل ١٦
البخاري، الصحيح، حديث ٤٩١٣. • فصل ١٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٩٩. • فصل ١٦
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الإسراء، الآية ٢٠ • فصل ١٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٨٠٨. • فصل ١٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٦١. • فصل ١٦
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١١/١٢٢–١٢٥، المفاضلة بين الفقير الصابر والغني الشاكر. • فصل ١٦
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الشورى، الآية ٢٧ • فصل ١٧
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الكهف، الآية ٨٢ • فصل ١٧
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير المؤمنون، الآية ٥٦ • فصل ١٧
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٦/١٢٨، ضمن الكلام على الكمال والحكمة. • فصل ١٧
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير يس، الآية ٤٧ • فصل ١٨
البخاري، الصحيح، حديث ٢٢٢٧. • فصل ١٨
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨١. • فصل ١٨
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير النساء، الآية ١٣٥ • فصل ١٨
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ١٧٧ • فصل ١٨
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ٢٨٠ • فصل ١٨
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١٨٥–١٨٦، التفصيل في الرضا بالقضاء. • فصل ١٨
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٤٧٥–٤٧٨، الفرق بين المشيئة والمحبة والرضا. • فصل ١٨
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير هود، الآية ٦ • فصل ١٩
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ١٥٥ • فصل ١٩
أبو داود، السنن، حديث ٤٤٠٣. حكم الألباني: صحيح. • فصل ١٩
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الأنبياء، الآية ٤٧ • فصل ١٩
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨٢. • فصل ١٩
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٨٠٧. • فصل ١٩
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٨/١٤٢، التفريق بين العذاب والعقاب. • فصل ١٩
البخاري، الصحيح، حديث ١٣٠٣. • فصل ٢٠
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الحديد، الآية ٢٣ • فصل ٢٠
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير يوسف، الآية ٨٦ • فصل ٢٠
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٩١٨. • فصل ٢٠
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٦٣. • فصل ٢٠
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير النساء، الآية ٣٢ • فصل ٢٠
البخاري، الصحيح، حديث ١. • فصل ٢١
السعدي، تفسير سورة النساء، الآية ١١٤ • فصل ٢١
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥١. • فصل ٢١
السعدي، تفسير سورة هود، الآية ١٥ • فصل ٢١
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/٨٩–٩٠، منزلة الإخلاص. • فصل ٢١
مركز الفتوى، ملاحظة الوعود الدنيوية عند القيام بالأعمال الصالحة فتوى ٧٠٣٤٠ • فصل ٢٢
البخاري، الصحيح، حديث ١٧٧٠. • فصل ٢٢
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الأول، بحث اختلاط المقاصد. • فصل ٢٢
مركز الفتوى، حكم الصيام بنية الشفاء من المرض والتطوع لله، فتوى ١١٩٧٣٢ وفيها نقل الخلاف الفقهي. • فصل ٢٢
سعد بن تركي الخثلان، فتوى «حكم قراءة القرآن بنية تحقيق أمر دنيوي». • فصل ٢٢
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/٩٣–٩٥، الدرجة الأولى من درجات الإخلاص. • فصل ٢٢
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٩٠٥. • فصل ٢٣
أحمد بن حنبل، المسند، حديث ٢٣٦٣٠، من حديث محمود بن لبيد. صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ١٥٥٥. • فصل ٢٣
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الأول، بحث الرياء الطارئ. • فصل ٢٣
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٤٢. • فصل ٢٣
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٢٣. • فصل ٢٣
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠١٧. • فصل ٢٣
الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، ٨/٩٠، حديث ٩٢. وقال الدمياطي عن حديث الضحاك بن قيس في المتجر الرابح، ص٣٤٣: إسناده لا بأس به. • فصل ٢٤
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٨٥. • فصل ٢٤
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٦٦. • فصل ٢٤
البخاري، الصحيح، حديث ٥٦. • فصل ٢٤
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨٨. • فصل ٢٥
النووي، شرح صحيح مسلم، ١٦/١٤١ • فصل ٢٥
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٨٤. • فصل ٢٥
السعدي، تفسير سورة نوح، الآية ١٠ • فصل ٢٥
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٢٠. • فصل ٢٥
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٩. • فصل ٢٥
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠٠٦. • فصل ٢٥
مركز الفتوى، حكم إشراك نية العبادة بأمر دنيوي، فتوى ١٦٤٦٩٩ • فصل ٢٥
السعدي، تفسير سورة الإنسان، الآية ٩ • فصل ٢٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٣٥. • فصل ٢٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٢٢. • فصل ٢٦
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ١٥٥، في وجوه نقص الأموال. • فصل ١٩
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير البقرة، الآية ٢٠١، في عموم حسنة الدنيا. • فصل ٢١
حواشي المصادر
-
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير النحل، الآية ٥٣ — التفسير
-
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير لقمان، الآية ٢٠ — التفسير
-
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٢٥. قال الترمذي: حسن صحيح. — النص؛ التخريج والحكم
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٤٣٥. — النص
-
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٤٦. قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. — النص؛ التخريج والحكم
-
ابن كثير، تفسير هود، الآية ٦ — التفسير
-
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير العنكبوت، الآية ٦٠ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٥٣. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٣٢٠٨. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٥٨. — النص
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤١، مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. — المصدر
-
ابن كثير، تفسير النساء، الآية ٢٩ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠١٥. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٥٩. — النص
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤٠–٥٤١، مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. — المصدر
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١١٩–١٢٠، إثبات الأسباب والمسببات. — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٨٦. — النص
-
النووي، شرح صحيح مسلم، ١٦/١١٤، شرح بسط الرزق والنسء في الأثر. — المصدر
-
تتمة شرح النووي، ١٦/١١٥ — المصدر
-
ابن كثير، تفسير الرعد، الآية ٣٩ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠٥٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٧١. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٧٣. — النص
-
السعدي، تفسير البقرة، ٢٦٩: فضل الحكمة. — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٦٤. — النص
-
ابن كثير، تفسير الأنبياء، الآية ٨٠ — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٢. — النص
-
أبو داود، السنن، حديث ٥٠٩٠. حكم الألباني: حسن الإسناد. — النص؛ التخريج والحكم
-
سنن أبي داود، حديث ٥٠٩٠؛ حكم الألباني: حسن الإسناد. — النص؛ التخريج والحكم
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٩٧٧. — النص
-
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٩٨. قال الترمذي: حسن صحيح. — النص؛ التخريج والحكم
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤١٢. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٢٠٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤١٦. — النص
-
انظر: الشورى، الآيتان ٤٩–٥٠؛ والروم، الآية ٢١؛ والكهف، الآية ٤٦؛ والتغابن، الآية ١٥. — المصدر ١؛ المصدر ٢؛ المصدر ٣؛ المصدر ٤؛ المصدر ٥
-
الترمذي، الجامع، حديث ١٦٥٥. قال الترمذي: حسن. — النص؛ التخريج والحكم
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٤٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٦٤. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٤٦٧. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٥٣٤. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٦٧. — النص
-
السعدي، تفسير النحل، الآية ٨٠ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير قريش، الآية ٤ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير البقرة، الآية ١٢٦ — التفسير
-
السعدي، تفسير عبس ٢٤: وما بعدها. — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٣٢٠. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٥٥٢. — النص
-
السعدي، تفسير النساء، الآية ٥ — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥٧. — النص
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير النساء، الآية ٤٠ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٧٧. — النص
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الزخرف، الآية ٣٢ — التفسير
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الطلاق، الآية ٧ — التفسير
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٨/١٤١–١٤٦، شرح حديث «إني حرمت الظلم على نفسي». — المصدر ١؛ المصدر ٢؛ المصدر ٣
-
الطبري، جامع البيان، تفسير الأنبياء، الآية ٣٥ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الفجر، الآية ١٧ — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ٤٩١٣. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٩٩. — النص
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الإسراء، الآية ٢٠ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٨٠٨. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٦١. — النص
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١١/١٢٢–١٢٥، المفاضلة بين الفقير الصابر والغني الشاكر. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الشورى، الآية ٢٧ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الزخرف، الآية ٣٢ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الكهف، الآية ٨٢ — التفسير
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير المؤمنون، الآية ٥٦ — التفسير
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٦/١٢٨، ضمن الكلام على الكمال والحكمة. — المصدر
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير يس، الآية ٤٧ — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٢٢٧. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨١. — النص
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير النساء، الآية ١٣٥ — التفسير
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ١٧٧ — التفسير
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ٢٨٠ — التفسير
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١٨٥–١٨٦، التفصيل في الرضا بالقضاء. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٤٧٥–٤٧٨، الفرق بين المشيئة والمحبة والرضا. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير هود، الآية ٦ — التفسير
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ١٥٥ — التفسير
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير البقرة، الآية ١٥٥، في وجوه نقص الأموال. — المصدر
-
أبو داود، السنن، حديث ٤٤٠٣. حكم الألباني: صحيح. — النص؛ التخريج والحكم
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الأنبياء، الآية ٤٧ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨٢. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٨٠٧. — النص
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٨/١٤٢، التفريق بين العذاب والعقاب. — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٣٠٣. — النص
-
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تفسير الحديد، الآية ٢٣ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير يوسف، الآية ٨٦ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٩١٨. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٦٣. — النص
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير النساء، الآية ٣٢ — التفسير
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير البقرة، الآية ٢٠١، في عموم حسنة الدنيا. — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ١. — النص
-
السعدي، تفسير سورة النساء، الآية ١١٤ — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥١. — النص
-
السعدي، تفسير سورة هود، الآية ١٥ — التفسير
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/٨٩–٩٠، منزلة الإخلاص. — المصدر
-
مركز الفتوى، ملاحظة الوعود الدنيوية عند القيام بالأعمال الصالحة فتوى ٧٠٣٤٠ — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٧٧٠. — النص
-
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الأول، بحث اختلاط المقاصد. — المصدر
-
مركز الفتوى، حكم الصيام بنية الشفاء من المرض والتطوع لله، فتوى ١١٩٧٣٢ وفيها نقل الخلاف الفقهي. — المصدر
-
سعد بن تركي الخثلان، فتوى «حكم قراءة القرآن بنية تحقيق أمر دنيوي». — المصدر
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/٩٣–٩٥، الدرجة الأولى من درجات الإخلاص. — المصدر
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٩٠٥. — النص
-
أحمد بن حنبل، المسند، حديث ٢٣٦٣٠، من حديث محمود بن لبيد. صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ١٥٥٥. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الأول، بحث الرياء الطارئ. — المصدر
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٤٢. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٢٣. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠١٧. — النص
-
الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، ٨/٩٠، حديث ٩٢. وقال الدمياطي عن حديث الضحاك بن قيس في المتجر الرابح، ص٣٤٣: إسناده لا بأس به. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٨٥. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٦٦. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٦. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨٨. — النص
-
النووي، شرح صحيح مسلم، ١٦/١٤١ — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٨٤. — النص
-
السعدي، تفسير سورة نوح، الآية ١٠ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٢٠. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٩. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠٠٦. — النص
-
مركز الفتوى، حكم إشراك نية العبادة بأمر دنيوي، فتوى ١٦٤٦٩٩ — المصدر
-
السعدي، تفسير سورة الإنسان، الآية ٩ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٣٥. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٢٢. — النص