الإخلاص في العمل: كيف تصحح نيتك حين يغيب المديح؟

الإخلاص في العمل هو أن تتوجه بطاعتك إلى الله، وأن تراعي هذا القصد وأنت تؤدي ما ينفع، بدل أن يصبح ثناء الناس غايتك الحاكمة. ومن مراجعته أن تسأل عن مقصدك، وتحفظ جودة العمل في الخفاء، وتجدد نيتك عندما يشغلك المديح.
تُنهي عملًا أخذ منك وقتًا وعناية، ثم يمر عليه الآخرون كأنه لم يكن. قد تكون رتبت أمرًا في البيت، أو أصلحت خطأ في عمل مشترك، أو ساعدت إنسانًا دون أن يعرف أحد. عندها يظهر سؤال لا تطرحه ساعة الحماس: هل يبقى لهذا العمل مكان في نفسي إن لم أحصل بعده على كلمة تقدير؟
هذا السؤال مدخل إلى مراجعة النية، ولا يصلح وحده للحكم على القلب. فالإنسان يفرح بالكلمة الطيبة، ويتألم أحيانًا من التجاهل. وإنما يحتاج إلى الانتباه حين يصبح المديح شرطًا لبذل المعروف، أو حين ينقص إحسانه لأن اسمه لم يُذكر.
إلى من يتجه العمل؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. تردّ هذه الآية أصل العبادة إلى إخلاصها لله؛ ومن هنا يراجع المسلم الوجهة التي تحمل عمله، فلا يكتفي بأن تكون صورته حسنة أمام الناس. سورة البينة، الآية ٥.
ويمكن أن تبدأ هذه المراجعة بسؤال واضح قبل عملك: ما الخير الذي أريد تحقيقه؟ إن كنت تعلم أحدًا، فليكن فهمه مقصدًا حاضرًا. وإن كنت تصلح أمرًا، فليكن نفع الإصلاح أهم من امتلاك صورته أمام الآخرين. استحضار هذا المعنى لا يحتاج عبارة طويلة تكررها؛ يحتاج صدقًا تعود إليه كلما شغلك غيره.
حين يتسلل انتظار الثناء
تأمل مثالًا افتراضيًا: شارك خالد في إعداد لقاء عائلي، فلما شكر الحاضرون المنظمين لم يذكروا اسمه. وجد في نفسه ضيقًا، وفكر أن ينسحب من المساعدة في المرة المقبلة. هنا يستطيع أن يسأل: هل أتراجع لأن العمل فوق طاقتي، أم لأن نصيبي من الثناء كان أقل مما توقعت؟
قد يكون بحاجة إلى توزيع أعدل للمهمات، وهذا أمر يمكن مناقشته. وقد يكون محتاجًا إلى تهدئة تعلقه بالمديح. التفريق بين الأمرين يحفظ حقه، ويمنعه في الوقت نفسه من جعل الإحسان وسيلة لاستخراج الاعتراف من الناس.
لا تجعل الخاطر العابر محكمة تقضي بها على نفسك. لاحظه، وجدّد قصدك، وأكمل ما يلزمك من خير. أما الانشغال الدائم بفحص كل شعور، حتى يعطلك عن العمل، فلا يحقق الغرض من هذه المراجعة.
الإتقان حين يغيب الجمهور
من الأسئلة النافعة أن تنظر إلى الجزء الذي لا يظهر للناس: هل تتحرى الدقة في معلومة لن يعرف أحد أنك راجعتها؟ هل تحفظ أمانة اؤتمنت عليها وإن لم تُفحص؟ هل تترك المكان مرتبًا بعد انصراف الجميع؟
هذه مواقف تتيح لك ممارسة الصدق في عمل محدد. لكنها ليست مقياسًا يمنح صاحبه شهادة نهائية بالإخلاص؛ فالنية تُراعى وتتجدد، ولا تتحول إلى لقب يطمئن الإنسان إلى حمله.
وإذا كان عملك عامًا بطبيعته، فلا يلزم أن تخفيه. المعلم يشرح أمام طلابه، وصاحب المسؤولية يبين ما أنجز، والمتطوع قد يوثق نتيجة يحتاجها فريقه. راجع الغرض من الإظهار، واجعل البيان بقدر الحاجة، واحفظ حقوق من شاركك.
عمل صغير تعود به إلى المعنى
اختر اليوم إحسانًا يسيرًا تقدر عليه: أصلح خللًا، أو أعن قريبًا، أو أوف بوعد تأخر. لا تبحث له عن مشهد كبير. وبعده اسأل سؤالًا واحدًا: هل وصل النفع إلى صاحبه كما ينبغي؟
وإن جاءك شكر، فاقبله بلطف دون أن تبني عليه قيمتك كلها. وإن لم يأت، فذكّر نفسك بالوجهة التي بدأت منها. يبقى أمامك عمل نافع تؤديه، وقلب يحتاج منك إلى رعاية هادئة، ورب تتوجه إليه بالعبادة والدعاء.