استخارة ثم قرار
F09 · 16–18

وقف أحمد أمام لوحة الإعلانات في ممر المدرسة. كان في السادسة عشرة، وكانت هذه أول مرة يُطلب منه أن يختار مشروعًا يلتزم به إلى آخر الفصل. علّقوا على يساره استمارة ورشة الإصلاح، وعلى يمينه استمارة الجريدة المدرسية. أمامه أسبوع واحد. تذكّر كيف أعاد تثبيت المقبض المرتخي في درج المطبخ، وكيف ظل يفتحه ويغلقه بعد ذلك من فرط سروره. ثم رأى في صورة الجريدة طالبًا يمسك مسجّلًا صغيرًا، فتخيّل نفسه يسأل حارس المدرسة عن الشجرة التي زرعها قرب الباب يوم افتُتحت المدرسة.
مرّ يوسف، زميله وصديقه الذي بلغ السادسة عشرة أيضًا، فتوقف حين رأى أحمد يمد يده إلى إحدى الاستمارتين ثم يسحبها. وفي تلك اللحظة انفتح باب الممر، فتحرك طرف استمارة الورشة تحت الدبوس. قال أحمد: «أرأيت؟ تحركت ورقة الورشة وحدها». انتظر حتى انغلق الباب، ثم خطا إلى الجانب الآخر من اللوحة. كان دبوس استمارة الجريدة يمسك زاويتها السفلى أيضًا. ضغط أحمد بإصبعه على طرف ورقة الورشة، وفكّر أنه لو تحركت ورقة الجريدة أولًا لربما قال الكلام نفسه.

قال يوسف: «كنتَ ستأخذ ورقة الورشة قبل أن يُفتح الباب، أليس كذلك؟» نظر أحمد إلى يده. تذكّر أنه وقف في المكان نفسه بالأمس، وأنه كاد يأخذ ورقة الجريدة يومها بعدما سمع طالبين يتحدثان عن تحقيق يعدّانه للجريدة. أخذ الاستمارتين وطواهما معًا من غير أن يكتب اسمه. كان يستطيع أن يتركهما مكانهما ويعود غدًا على أمل أن يحدث شيء آخر. لكنه حين همّ بالخروج من الممر، عاد يقرأ موعد التسليم ودوّنه في هاتفه. ثم قال ليوسف: «أُحبّ المشروعين. كيف أعرف أيَّهما أقدرُ على الالتزام به؟»
اتجه أحمد ويوسف نحو قاعة الأنشطة حيث كانت ورشة الإصلاح تعج بأصوات المطارق. دخل أحمد الغرفة، فاستقبله أحد المشرفين بابتسامة. سأل يوسف المشرف: «ما الذي يفعله المبتدئون هنا في الأسبوع الأول؟». أجاب المشرف بأنهم يبدأون بتعلم أساسيات السلامة، ثم ينتقلون لتفكيك أجهزة بسيطة وإعادة تركيبها. أخبره أحمد أن فكرة لمس التروس وتزييتها جذبت انتباهه بشدة، فالتفكير في إصلاح شيء ملموس كان يمنحه شعوراً بالإنجاز والقدرة على التغيير الفعلي.
انتقل الصديقان بعد ذلك إلى غرفة الصحافة، حيث كان الطلاب يجلسون حول طاولات مستديرة. سأل يوسف المشرفة عن الجدول الزمني للتدريب. أوضحت أن العمل يبدأ بجمع المعلومات من خلال المقابلات الميدانية، ثم صياغة المسودات الأولى. قال أحمد إن فكرة إجراء مقابلات مع كبار السن في الحي لتوثيق تاريخ المدرسة كانت مثيرة جداً. كان يرى نفسه يمسك بالمذكرة ويسجل تفاصيل قد تضيع مع الزمن، وشعر أنه يود تجربة ذلك أيضًا.

عاد أحمد ويوسف إلى الممر، وكان أحمد يحمل الاستمارتين في يده. نظر إلى ورقة الورشة ثم إلى ورقة الجريدة، محاولاً موازنة الإيجابيات. سأل نفسه: «أيهما سيجعلني أتعلم أكثر؟». وبينما كان يهم بالنظر في التفاصيل الدقيقة، لاحظ أن ورقة الورشة تفتقر إلى جدول زمني محدد للتدريب العملي، بينما كانت ورقة الجريدة تحتوي على كل شيء. وضع الورقتين معاً، وبقي موضع الاسم فارغًا في كلتيهما. ثم كتب في هامش ورقة الورشة سؤالًا عن أيام التدريب وساعاته، وأعاد الاستمارتين إلى حقيبته.
عاد أحمد إلى منزله ووضع الاستمارتين على مكتبه. قبل أن يجلس للمقارنة بينهما، صلّى واستخار الله في اختياره، ثم عاد إلى الورقتين. التفت إلى الستارة حين حرّكتها نسمة من النافذة، وابتسم لتذكّره ما حدث عند لوحة الإعلانات. هذه المرة ترك النافذة كما هي وأخرج دفتره. كانت على إحدى الاستمارتين صورة مفك، وعلى الأخرى صورة مسجّل، لكن أيًّا منهما لم يُخبره بما سيستطيع أن ينجزه خلال أسبوعه المزدحم. قلّب الدفتر حتى وصل إلى صفحة مواعيده وفتحها أمامه.
طرقت والدته الباب ودخلت حين دعاها. نظر إلى الاستمارتين وقال: «أحبّ الاثنين، وأخشى أن أختار أحدهما ثم أندم». سألته: «وما الذي ستلتزم به كل أسبوع؟» بدأ يتحدث عن التروس التي يريد أن يفكّها والمقابلات التي يتمنى أن يجريها. أشارت إلى صفحة مواعيده، فعاد يقرأ واجباته المدرسية وموعد نشاطه الرياضي. قال إن يوم تدريب الورشة لم يتضح بعد. قالت: «إذن هذا سؤال تستطيع أن تجد له جوابًا غدًا». وضع خطًا تحت السؤال الذي كتبه في المدرسة.

أخرج ورقة جديدة ورسم عمودين، وكتب اسم مشروع فوق كل منهما. دوّن في عمود الورشة أنه يريد أن يتعلم إصلاح الأشياء بأمان، وفي عمود الجريدة أنه يريد أن يجرب إجراء مقابلة. وتحت كل رغبة ترك سطرًا للوقت الذي ستحتاج إليه. كانت الجريدة قد حدّدت اجتماعها، أما خانة الورشة فبقيت فارغة. كتب في أسفل الورقة أنه سيسأل المشرف عن أيام التدريب وساعاته قبل أن يملأ تلك الخانة. أغلقت والدته الباب بهدوء، وجمع أحمد أوراقه داخل حقيبته ليسهل إخراجها في الصباح.
في صباح اليوم التالي، وجد أحمد إعلانًا جديدًا عند باب الورشة. شُطب فيه الموعد المقترح أثناء الحصة الأخيرة، وكُتب أن التدريب سيبدأ بعد انتهاء اليوم الدراسي. ظنّ أن كلمة «بعد» تعني وقتًا متأخرًا، فتذكّر تدريبه الرياضي وانقبض صدره. مدّ يده إلى ورقة الجريدة في حقيبته، ثم توقف وأخرج ورقة المقارنة بدلًا منها. كان قد كتب فيها أن عليه أن يسأل عن الساعة، لا أن يخمّنها. انتظر حتى انتهى المشرف من حديثه مع أحد الطلاب، ثم أراه السؤال الذي وضع تحته خطًّا.
قال المشرف: «تغيّر الموعد فعلًا. التدريب يوم الثلاثاء من الثانية والنصف حتى الثالثة والنصف». فتح أحمد جدول هاتفه. كان التدريب الرياضي في الرابعة، والطريق إليه يستغرق منه نحو ربع ساعة. سأل: «وهل يجب أن أبقى لتنظيف الأدوات بعد الثالثة والنصف؟» أوضح المشرف أن ترتيب الأدوات جزء من ساعة الورشة، وأن عليه الالتزام بالمغادرة في وقتها ليحضر نشاطه التالي. دوّن أحمد التفاصيل، ثم قرأها على المشرف ليتأكد من أنه فهمها. كانت لديه الآن معلومات يستطيع أن يبني عليها مقارنة حقيقية.

رجع إلى مقعد قرب النافذة وأخرج استمارة الجريدة. اجتماعها لا يتعارض مع تدريبه أيضًا، لكن المقابلات قد تتطلب موعدًا آخر يتفق عليه الطلاب. كتب هذا تحت خانة الوقت، ثم نظر إلى ورقة الورشة. لم تتحرك واحدة منهما على المقعد، ولم يعد ينتظر أن تتحرك. كان يريد تجربة الإصلاح، ويعرف الآن ما تتطلبه تلك الرغبة كل أسبوع. ظل في الجريدة شيء يجذبه كذلك، فلم يمزق استمارتها أو يسخر من اختياره السابق. جمع الورقتين وذهب إلى مكتب تسليم الاستمارات، ثم توقف أمامه ليقرأ ما كتبه مرة أخيرة.
وقف أحمد أمام مكتب التسليم، فراجع موعد الورشة وملأ خانة الاسم. ترك خانة سبب الاختيار إلى النهاية، ثم كتب أنه يريد أن يتعلم كيف يحدد موضع العطل قبل أن يستخدم الأدوات. لقد اختارها لأن الجدول الجديد يتناسب تماماً مع تدريبه الرياضي، ولأنه يطمح لتلك الخبرة العملية في التعامل مع الأدوات والتروس. لم يعد الأمر مجرد تخمين أو انتظار لعلامة غامضة، بل أصبح قراراً مبنياً على معلومات واضحة جمعها بنفسه. وضع الورقة في الصندوق المخصص، وشعر براحة غريبة تسري في جسده، وكأن ثقلاً كبيراً قد انزاح عن كاهله أخيراً.
التفت إلى يوسف الذي كان يراقبه بابتسامة، وقال له: «لقد قررت. ورقة الورشة هي خياري. لقد سألت عن المواعيد، وقارنتها بجدولي، ووجدت أنها تمنحني فرصة للتعلم الفعلي دون أن أضحي بنشاطاتي الأخرى». اعترف أحمد بصدق: «سأفتقد فرصة سؤال حارس المدرسة عن شجرته. كنت قد فكرت في أول سؤال أطرحه عليه».

قال يوسف: «يمكنك أن تقرأ المقابلات عندما تصدر الجريدة». ضحك أحمد ووضع استمارة الجريدة في حقيبته. كان سيظل يحب القصص، لكنه لا يستطيع أن يلتزم بالمشروعين في أسبوعه الحالي. في تلك الليلة، فتح دفتره وكتب في صفحته الأولى سؤالًا عن الطريقة الآمنة لفحص قطعة مرتخية. وضع الدفتر وقلمًا في حقيبته، وتأكد أن ملابس التدريب الرياضي جاهزة أيضًا. ضبط تنبيهًا لموعد الورشة بعد الدوام يوم الثلاثاء، ثم راجع الوقت الذي يحتاج إليه للوصول إلى الملعب. وحين أغلق الحقيبة لاحظ أن السؤال الذي يشغله لم يعد «أيّهما أختار؟» بل «ماذا أريد أن أتعلم في أول يوم؟»
بعد انتهاء الدوام يوم الثلاثاء، دخل أحمد ورشة الإصلاح يحمل دفتره وقلمه. أشار المشرف إلى مسجّل أشرطة قديم على الطاولة، وفصل مصدر الطاقة أمامه قبل أن يسمح له بفتح الغطاء. طلب منه أن يلاحظ كيف يدور الترس الصغير عند تحريك العجلة بيده. قرأ أحمد السؤال الذي كتبه في دفتره عن فحص القطع المرتخية. قرّب المصباح، ووضع البراغي التي نزعها في طبق ضحل بالترتيب، حتى يعرف موضع كل برغي حين يعيد الغطاء إلى مكانه.
وهو يحاول الوصول إلى آخر برغي، انزلق المفك وخدش حافة الغطاء. رفع أحمد يده عن المسجّل ونادى المشرف. قال: «انزلق المفك مني، وهذا أثره». نظر المشرف إلى الخدش، ثم أراه كيف يثبّت الغطاء على قطعة مطاط قبل أن يحاول مرة أخرى. أعاد أحمد ترتيب القطع وجرب الحركة ببطء. بقي الخدش ظاهرًا، فدوّن ما حدث في دفتر الورشة كي يراه الفريق التالي، ورسم بجانبه موضع قطعة المطاط التي ساعدته.
عند الثالثة والنصف، أعاد أحمد المفك إلى درج الأدوات وحمل حقيبته. لم يُصلح المسجّل في ذلك اليوم، لكنه عرف كيف يفتح الغطاء من غير أن تتبعثر البراغي. وعند باب الورشة رأى يوسف ينتظره. سأله يوسف: «كيف كان يومك الأول؟» قال أحمد وهو يتجه نحو الملعب: «لديّ سؤال جديد للأسبوع المقبل. أريد أن أعرف لماذا يدور الترس من غير أن تتحرك البكرة».
نشاط للقارئ: اختر قرارًا صغيرًا له خياران. اكتب سؤالًا تساعدك إجابته على المقارنة، وحدد شخصًا تستشيره ومعلومة تتحقق منها. فكّر في كيف تستعين بالله بالدعاء وأنت تجمع المعلومات وتعمل بما تستطيع، من غير أن تتخذ المصادفة دليلًا على الغيب.
