الرزق — المجلد الثاني: السعي والبركة وحفظ النعمة — النص الكامل
صفحة الكتاب وتحميل PDF · مجلدات الكتاب
المجلد الثاني | السعي والبركة وحفظ النعمة
الرزق
معرفة العطاء وفقه السعي وشكر النعمة
المجلد الثاني
السعي والبركة وحفظ النعمة
مدارج
طبعة المجلدات الثلاثة • مراجعة ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
إهداء
إلى من يخرج في أول النهار يرجو كسبا طيبا، وإلى من يطول عليه الانتظار فلا يجد إلا باب الدعاء؛ إلى من يحمل هم أهل وولد، وإلى من يحاول أن يبدأ من جديد بعد خسارة أو مرض أو فقد.
وإلى كل من وسع الله عليه، فرجا أن يعرف حق ما في يده، وأن يكون في عطائه رحمة لغيره، وفي قلبه موضع للشكر لا تملؤه المقارنة.
هذه الصفحات صحبة في طريق نتعلمه جميعا. نسأل قارئها دعوة لنا ولوالدينا ولمن أعان على الخير، بالمغفرة والرحمة وصلاح العمل وحسن العاقبة.
هذا الكتاب وقفٌ لله تعالى
تأليف وتوزيع مدارج
فهرس المجلد
|
الباب السابع — أسباب سعة الرزق والبركة وأسباب المحق والإضاعة |
مدخل المجلد
يحتاج الساعي إلى قلب يستعين بالله وعمل يعرف طريقه. وقد اتضح في المجلد الأول معنى الرزق وأصول العدل والنية؛ وننتقل هنا إلى الكسب والتعلم والسفر، ثم المعاملة والحقوق وأسباب البركة وما يفسد الانتفاع بالنعمة.
وفي السعة والضيق يستمر سؤال المسؤولية: ما الحق الذي أعرفه، وما السبب الذي أستطيعه، وما الذي أحتاج فيه إلى معونة؟ وتضيء المواقف المأثورة هذه الأسئلة، ثم يفحص الكتاب الدعاوى المشهورة حتى يبقى الرجاء متصلا بدليله.
يضم هذا المجلد الفصول من السابع والعشرين إلى الثامن والخمسين. وفي المجلد الثالث أوراق تدريب وحالات وقياس ومتابعة، مع إحالات إلى مواضع الشرح هنا وفي المجلد الأول.
الباب الخامس
السعي وفتح أبواب الرزق بالسفر والتعلم والعمل
ينطلق هذا الباب من التوكل ومن تقدير الأرزاق بأسبابها، ثم يفصل أحكام الكسب والتعلم والسفر واختيار الفرص. ويبحث التخطيط والاستشارة وعوائق السعي والتعامل مع التعثر. والمقصود أن يعرف المرء ما يمكنه فعله وما يحتاج فيه إلى عون، وأن يمضي في سبب مشروع بقلب يعتمد على الله.
الفصل السابع والعشرون
التوكل بين اعتماد القلب وفعل السبب
حين يغلق العامل باب بيته في الصباح، لا يحمل معه مفاتيح كل ما سيحدث في يومه. يحمل ما استطاع إعداده، ويخرج إلى ما لا يحيط به علما. وبين القدرة المحدودة والمستقبل المجهول تظهر حاجة القلب إلى التوكل: أن يعمل بجد، ولا يبقى أسيرا لوهم أنه يدير العالم وحده.
يميز الساعي بين سبب مشروع وآخر متوهم أو محرم؛ فليس الاحتيال أو الاعتقاد الخرافي في عدد أو جسم من الأخذ بالأسباب المحمود. ويطلب الدليل المناسب: نصا للسبب التعبدي، وخبرة معتبرة للسبب الدنيوي، مع التزام حدود الحلال.
ويختلف ترك سبب اختياري يخص صاحبه عن ترك سبب تتعلق به حقوق آخرين. فمن له عيال أو أموال للناس أو مهمة مؤتمن عليها لا يجعل تجربة نفسه في التوكل حجة لتعريض حقوقهم للضياع. وقد نبه ابن رجب إلى الفرق بين أحوال الناس وقوة احتمالهم ومن تلزمهم رعايتهم. وهذه الملاحظة تمنع استنساخ حكاية زاهد على أسرة أو مؤسسة كاملة.[١]
التوكل والعمل عند ابن رجب
وعند ابن رجب، تقرير أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدورات بها؛ لأن مباشرة السبب تكون طاعة بالجوارح، والتوكل اعتمادا على الله بالقلب. ثم ينبه إلى خلل يجعل التوكل مجرد حيلة لطلب مزيد من الدنيا. وخلاصة ذلك: يعمل الإنسان امتثالا ويطلب المباح، مع معرفة أن الله هو المعطي، ولا ينقلب تعلقه بالله إلى علاقة مشروطة بقبول طلب مالي معين.[٢]
والفرق بين السبب والتعلق به يظهر عند الاختبار. من تعلم مهنة لأن الله أباح السعي، واستشار من يعرفها، ثم قبل تعديل طريقته عند تغير الحاجة، فقد عامل السبب بقدره. أما من ظن أن شهادته أو صلته بأحد تضمن له النتيجة في كل حال فقد أعطى السبب ما ليس له. وفي الطرف المقابل، من ترك مهارة يحتاجها وهو قادر عليها، ثم حمل الناس مؤونته بغير حق وسمى ذلك توكلا، فقد خلط الاعتماد المشروع على الله بترك ما يلزمه من عمل.
عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قال كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}.[٣]
يبين الأثر خطأ ترك الزاد مع تعمد الاتكال على سؤال الناس. وتختلف عنه حال فقير عجز عن الاستعداد أو مسافر نفد زاده لطارئ.
الفصل الثامن والعشرون
الأرزاق المقدرة بأسبابها وتحقيق عبارة لا تفتح إلا بالسعي
ربما سمع شاب نصيحتين ظنهما متناقضتين: رزقك مكتوب، وعليك أن تتعلم حتى تجد عملا. فإذا فهم التقدير كأنه وعد بحصول كل مطلوب دون طريقه، بدت النصيحة الثانية مناقضة للأولى. وإنما ينشأ التعارض من هذا الفهم؛ فالله يقدر الأرزاق ويقدر الطرق التي تصل بها إلى أصحابها.
النص الصريح في أصل المسألة
قال ابن تيمية في جوابه عن حقيقة الرزق: « وذلك الذي قدره له بالاكتساب لا يحصل بدون الاكتساب». وذكر في مقابل ذلك ما يصل إلى الإنسان بغير اكتساب منه، كالإرث. فالتفريق بين الطريقين منصوص في جوابه، مع دخول كليهما في تقدير الله.[٤]
يدل كلامه على أن القدر لا يعزل النتيجة عن طريق حصولها. فمن كتب الله له كسبا بواسطة عمل، كان العمل داخلا في المقدور، وليس قوة خارجة تنازع القدر. ولا يلزم من ثبوت هذا الأصل أن يعرف الإنسان الغيب، فيعين دولة بعينها ويقول جزما: رزقي المكتوب هناك. الذي يعرفه هو قدرته وحاجته وما ظهر له من فرص؛ فيختار باجتهاد، ويسأل الله التيسير، ويجهل ما سيقع قبل وقوعه.
ولا تفيد العبارة أن كل مال يكتسب بجهد صاحبه المباشر؛ فقد يأتي إرث أو هبة، وقد تقوم أسرة برعاية طفل أو مريض. كما لا تفيد أن كل ساع يصل إلى النتيجة التي أرادها. فالسبب قد يتخلف أثره لغياب شرط، أو وجود مانع، أو خطأ في تقديره، ويقع ذلك كله بعلم الله ومشيئته. لذلك يكون التعبير الجامع: من الأرزاق ما قدر الله حصوله بسبب، ومن واجب العبد أن يبذل السبب المشروع الذي يلزمه أو يناسب حاله، مع افتقاره إلى توفيق الله.
الفرق بين أصل الرزق ومورد معين منه
من أراد أجرة على إصلاح جهاز، احتاج عادة إلى معرفة الإصلاح والقدرة على أدائه، أو إلى ترتيب عمل مشروع يقدمه من خلال من يحسنه. لا يصح أن يطلب أجرة مهارة لم يقدمها، ثم يحتج بأن رزقه مكتوب. لكن هذا لا يعني أن مورد رزقه الوحيد هو إصلاح الأجهزة؛ فقد يفتح له باب آخر. فضرورة السبب تتعلق بالمقصود المحدد وبالظروف، ولا تتحول إلى حصر جميع عطاء الله في ذلك الباب.
ويختلف السبب اللازم عن السبب المساعد. قد تكون شهادة محددة شرطا لمزاولة مهنة منظمة في بلد معين، بينما تكون لغة إضافية مرجحا في وظيفة أخرى، وتكون معرفة شخص خبير وسيلة للوصول إلى معلومة. وهذه أوصاف واقعية تحتاج تحققا في كل حالة، وليست أحكاما ثابتة لكل المهن والبلدان. وليس كل ما يسبق النجاح سببا له؛ فقد يشتهر ناجح بعادة لا صلة مؤثرة لها بكسبه، فيقلده الناس ويتركون ما أفاده فعلا من علم وعمل وظروف.
القرآن يجمع الحركة والافتقار
قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وفسر ابن كثير المشي بالسفر في الأرض والتردد في أقاليمها في المكاسب والتجارات، ثم نبه إلى أن السعي لا يجدي إلا بتيسير الله. وفي هذا اجتماع الفعل الإنساني ونسبة العطاء إلى الله، فلا يغني أحد المعنيين عن الآخر.[٥]
لا نحتج بما لا نعلم على ما نعلم
المكتوب في الغيب لم يسلم إلى الإنسان صحيفة يقرأ فيها ما سيملكه غدا، لكنه يعلم أن عليه نفقة مستطاعة، وأن العمل المباح المتاح قد يعينه عليها. فيبني تكليفه على ما أظهره الشرع وما قامت به قدرته، ولا يعطل الأمر المعلوم بتخمين القدر المجهول. وإذا بذل السبب ثم لم يظفر بالمطلوب، لم يكن ذلك خروجا على القدر ولا دليلا لازما على أنه لم يبذل شيئا.
ويقرر ابن القيم في حديثه عن إثبات الأسباب والمسببات أن إلغاء الأسباب بحجة سبق التقدير يفسد النظر والعمل؛ فالمقدورات تقع بما قدر لها من أسباب. وهذا أصل يشمل الدعاء كما يشمل العمل: فليس الدعاء خارج نظام العبودية، وليس تعلم الصنعة خارج القدر.[٦]
العبارة المنضبطة
إذا قيل: هذا الباب لا يفتح إلا بالسعي، أريد به أن الانتفاع المعين يتوقف في المعتاد على سببه المناسب، لا أن جميع أرزاق الإنسان محصورة في ذلك الباب، ولا أن المتكلم علم ما كتبه الله لشخص بعينه. فقد لا تنال وظيفة بعينها إلا بتأهيل، وتبقى أبواب أخرى للكفاية لا تتوقف على ذلك التأهيل. وقد لا تصل خدمة إلى مستحقها إلا بانتقال من يقدمها، بينما يصل مال إلى وارث لم يسافر ولم يتاجر.
الفصل التاسع والعشرون
السعي والتجارة والزراعة والصناعة
في رغيف الخبز الذي يصل إلى المائدة آثار أيد كثيرة: من زرع، ومن حمل، ومن صنع، ومن باع. لا يستقل أحد بمعاشه استقلالا تاما؛ وإنما تتداخل المنافع، ويصل رزق هذا على يد ذاك. ومن تأمل ذلك رأى في العمل أوسع من معاملة بين أجرة وساعات: رأى خدمة تتسع بها حياة الناس.
الأرض مذللة للسعي [الملك: ١٥]، والصلاة لا تلغي الانتشار في طلب فضل الله بعد أدائها [الجمعة: ١٠]، وقد قرن القرآن في المزمل بين أنواع من أحوال المكلفين ومنها الضرب في الأرض لابتغاء الفضل [المزمل: ٢٠]. وتكشف هذه النصوص أن طلب المعيشة ليس عيبا يعتذر عنه المتدين، وإنما يتحدد حكمه وقيمته بحسب قصده وطريقه وحقوقه.
وتتنوع الأعمال بين تجارة وزراعة وصناعة وخدمة وتعليم ورعاية. ولا يصح تحويل تفضيل ورد في سياق عمل اليد إلى احتقار كل كسب مشروع لا يقوم على صناعة مادية. فالمسألة تتصل بالاستقلال والعفة وبذل الجهد، وتراعى فيها حاجة المجتمع ومهارة الفرد وقدرته.
أن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت لما استخلف أبو بكر الصديق قال لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه.[٧]
وموقف أبي بكر في خبر عائشة الثابت في صحيح البخاري برقم ٢٠٧٠ يبين أن الانشغال بمصلحة عامة قد يمنع صاحبها من حرفته المعتادة، فيبحث له عن نفقة مشروعة تتيح القيام بالمسؤولية. وليس معنى الأمانة أن يعمل المرء بلا عوض في كل حال، كما ليس كل عوض يطلبه مشروعا؛ فمصدره ومقداره والاتفاق عليه وحقوق من يموله أمور معتبرة.
وجواز التجارة في الحج [البقرة: ١٩٨] يبين إمكان اجتماع قصد المعاش مع العبادة من غير حكم آلي بفساد الإخلاص. لكن العبادة تبقى لها شروطها وأعمالها، ولا تستباح مخالفتها باسم التجارة. ومثله الخروج إلى العمل بعد الجمعة [الجمعة: ١٠]: الإذن بالانتشار لا يبيح تضييع الصلاة، ولا يلزم كل مصل بأن يخرج إلى سوق فورا. فهم الأمر في سياقه يمنع استخراج واجبات لم يدل عليها.
وحين قرن القرآن الضرب في الأرض بابتغاء فضل الله ضمن أعذار التخفيف في قيام الليل، ظهر الاعتراف بحاجة الناس إلى أعمالهم. ولا يثبت بمجرد العطف تساوي جميع الأعمال المذكورة في الأجر من كل وجه؛ فالتفاضل له أدلته وشروطه. وتظل خدمة المعاش النافعة بابا واسعا للإحسان، يتعاون فيه الناس ويتكاملون، ويختلف واجب كل منهم بحسب قدرته ومسؤوليته.
البكور وحسن الطلب
عن صخر الغامدي، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم بارك لأمتي في بكورها». قال وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار وكان صخر رجلا تاجرا وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله. وقال الترمذي: وفي الباب عن علي وابن مسعود وبريدة وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر.[٨]
أصل الدعاء نبوي، وخبر صخر تطبيق ورد في الرواية. ويجتمعان في الدلالة على فضل البكور والنشاط في السعي، دون نقل نتيجة تجارة بعينها إلى وعد عام بالأرباح.
لكن الواقعة لا تنشئ نسبة أرباح مضمونة لكل من بدأ العمل في ساعة محددة. قد يبكر العامل ثم تصيبه خسارة من سبب آخر، وقد تكون مصلحة عمل معين متعلقة بوقت المساء أو الليل، كما في الخدمات التي يحتاجها الناس على امتداد اليوم. وليس في هذا الحديث وحده تحريم كل نوم في أول النهار، ولا ذم مريض أو حارس أو عامل وردية يحتاج إلى النوم بعد أداء واجبه. تبقى دلالة الترغيب على وجهها، وتراعى سائر الحقوق والأحوال.
عن جابر بن عبد الله، قال قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم».[٩]
يجمع الإجمال في الطلب حسن السعي وترك التعدي والهلع الذي يدفع إلى الحرام. ولا يجعل تأخر المطلوب الغش أو الربا أو أكل الحقوق مباحا.[١٠]
يختار صاحب المهنة وقتا مناسبا لأهم أعماله، ويقدر راحته، ويراجع جودة منتجه ووفاءه بالعقد. وهذه وسائل تدبيرية تقبل التعديل بحسب الظروف، ويعين رجاء البركة على إحسانها.
أين يظهر الإحسان في المهنة
يظهر في خدمة تصلح لاستعمالها، وفي موعد يراعي حاجة المنتفع، وفي عيب يبين قبل الاتفاق، وفي أجر يؤدي كما التزم صاحبه. هذه أعمال قد تمر عادية على الناظر، لكنها مواضع يتجسد فيها الصدق. ولا يحتاج صاحبها إلى ادعاء رسالة كبرى لكل صفقة؛ يكفي أن يعرف الحق الذي بين يديه، ويحسن أداءه، ويحتسب ما ينويه من نفع.
لا يقاس العامل بلمعان اسم مهنته؛ فقد تشتد حاجة الناس إلى تنظيف طريق أو صيانة شبكة. وتكامل الصناعات والخدمات يغني كل فرد عن أن يبدأ صناعة معاشه من الصفر.
الفصل الثلاثون
الحكم الشرعي لطلب الكسب وبذل الأسباب
ليس السؤال عن العمل دائما: كم سيربح صاحبه؟ قد يسبقه سؤال: أي حق سيؤديه بهذا العمل، وأي حق قد يضيعه بسببه؟ تتضح أحكام السعي حين نضع الإنسان داخل مسؤولياته الحقيقية، لا داخل صورة مجردة لشخص عليه أن يضاعف ماله بلا نهاية.
من الإباحة إلى الوجوب بحسب الحال
قال السرخسي في كتاب الكسب من المبسوط عن الكسب المباح: « بل هو فرض عند الحاجة». وجاء كلامه في الرد على من جعل الاكتساب منافيا للتوكل. وما يورده بعد ذلك من حجج ترك الكسب حكاية لقول المخالف، ثم يعقبه برده؛ فلا تنسب تلك الحجج إليه باعتبارها اختياره.[١١]
وتحرير التطبيق أن الإنسان قد تلزمه كفاية نفسه ونفقة من تجب عليه نفقته، ويكون قادرا على كسب مباح لا تتحقق هذه الكفاية إلا به؛ فيتعلق الوجوب ببذل ما يستطيع لتحصيل الواجب. فإذا تعددت الطرق الكافية، لم يتعين طريق واحد لمجرد أنه الأعلى دخلا. وإذا وجدت كفاية مشروعة من مال قائم، لم يصبح كل عمل إضافي واجبا. والقدرة المعتبرة تشمل البدن والوقت والوسيلة المتاحة، لا مجرد إمكان تخيل عمل ما.
وقد يكون توسيع الكسب مستحبا لما يقصده صاحبه من نفع وإحسان، أو مباحا لراحة مشروعة. وقد يحرم العمل لذاته، أو لما يشتمل عليه من اعتداء، أو لتضييعه واجبا متعينا. ولا تصح النية وحدها سببا لإباحة طريق محرم. ومن احتاج حكما في عقد أو مهنة مشتبهة عرض صورتها الفعلية على من يحسن فقهها؛ فاسم المهنة لا يكفي لمعرفة جميع تفاصيلها.
متى يجب تعلم مهارة أو الانتقال
من تطبيق قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به: أن يحتاج القادر إلى مهارة مقدور على تعلمها لتحصيل نفقة واجبة لا يجد لها بديلا كافيا. قد يصير قدر التعلم اللازم واجبا في حقه. وليس كل تعلم طويل يفتح احتمال وظيفة طريقا متعينا؛ فقد يحتاج إلى دخل حاضر، أو يجد عملا كافيا لا يتوقف عليه. وكذلك قد يتعين انتقال ممكن آمن في حالة مخصوصة، إذا توقف عليه أداء حق لازم ولم يوجد بديل، لكن هذه النتيجة تحتاج تحققا من الوقائع والمفاسد والحقوق.
والفرق كبير بين قولنا: يجب تحصيل النفقة المستطاعة، وقولنا: يجب أن يبلغ الإنسان أعلى دخل يستطيع تخيله. الأول يتعلق بحقوق محددة، والثاني مطالبة لم يدل عليها ذلك الأصل. فلا يؤثم فقير لأنه لم يغادر بلده، أو لأنه اختار مهنة تكفيه وتتيح رعاية والديه، ما دام قد أدى ما يلزمه بحسب قدرته. ولا يؤثم عاجز عن تعلم أو انتقال لا تسمح به صحته أو ظروفه.
العمل وحقوق البدن والأسرة
التفرغ للكسب لا يرفع حق الصلاة ولا حق من يحتاج رعاية لازمة. ومن كان عمله يعود على أهله بمال، لكنه يتركهم دون ما يجب لهم من نفقة أو حماية أو رعاية، لم يكف وصف العمل بأنه طلب رزق لتصحيح جميع آثاره. يحتاج إلى تعديل الترتيب: مساعدة مأمونة، أو وقت مختلف، أو انتقال الأسرة حيث يصلح، أو بديل من العمل.
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شىء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان».[١٢]
ولا يجعل حفظ الحقوق عذرا لرفض كل سبب فيه مشقة معتادة؛ كما لا تجعل الدعوة إلى الاجتهاد مبررا لإنهاك البدن وإهمال مرض ظاهر. يجتهد المرء فيما يمكنه، ويستعين بمن يعرف الجانب الذي خفي عليه. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرص على النافع مع الاستعانة بالله، ثم أرشد إلى استقبال ما يقع دون استغراق في التحسر.
الواجب متعلق بالاستطاعة
قد يتشابه شخصان في قلة الدخل، ويختلف ما يطلب منهما: أحدهما يعرض عن عمل مقدور مع ضياع نفقة تلزمه، والآخر يسعى وتمنعه علة أو قلة الفرص. فالقدرة تشمل البدن والوقت والوسيلة والتعلم الممكن، ولا تثبت بمجرد أن يتخيل الناظر عملا يصلح لكل أحد.
قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] تجمع الآية أصل الإنفاق ومراعاة ما آتى الله المنفق؛ فلا تجعل السعة معيارا واحدا تلزم به جميع البيوت.
طلب الزيادة ومقدار الكفاية
الكفاية ليست كلمة جامدة تنفصل عن عدد من يعولهم الإنسان وحاجاتهم المعتبرة. وقد يختار عملا إضافيا ليتخلص من دين أو يوفر علاجا لازما أو يعين قريبا؛ وله في ذلك قصد صالح. وقد يستغني عن العمل الإضافي ليؤدي رعاية لا يقوم بها غيره. المفاضلة بينهما تحتاج إلى وزن الحقوق والقدرة، ولا تحسمها محبة المال أو النفور منه وحدهما.
وإذا اشتبه تعين سفر أو دراسة طويلة، كان عرض الحال كاملا على عالم يعرف تفصيلها أنفع من اقتطاع قاعدة عامة. يذكر السائل نفقته، ومن يعولهم، وما يتاح له من بدائل، وما يخشاه من ضرر معتبر. بذلك تصبح الفتوى أقرب إلى الواقع، ويبقى التفصيل في خدمة الواجب، دون تكليف الناس مشروعا واحدا للحياة.
الفصل الحادي والثلاثون
تعلم الحرف والمهارات وبناء القدرة على الكسب
قبل أن تكون الحرفة مورد دخل، تكون غالبا وقتا طويلا لا يحسن فيه المتعلم ما يريد إحسانه. يخطئ فيتعلم، ويعيد فيتقن، ويقبل تصحيحا كان يثقل عليه سماعه. تلك الأيام التي لا يظهر ثمرها سريعا قد تكون جزءا أصيلا من السعي الذي قدر الله به منفعة لاحقة.
الصنعة في النصوص
عن المقدام ـ رضى الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ـ عليه السلام ـ كان يأكل من عمل يده».[١٣]
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كان زكرياء نجارا».[١٤]
قال تعالى في داود عليه السلام﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقال القرطبي في تفسيرها: « هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب». فالتعليم والصنعة والمنفعة أمور ظاهرة في الآية، والعمل المادي النافع لا يناقض منزلة العبودية. وفي الصحيح أن داود كان يأكل من عمل يده، وأن زكريا كان نجارا.[١٥]
تثبت بهذه الأدلة كرامة الحرفة ومشروعية اكتساب المهارة، ولا يستفاد منها وجوب حرفة واحدة على جميع الناس، أو أن العمل اليدوي في كل ظرف أنفع من التعليم أو الإدارة أو الزراعة. ينظر في حاجة الناس وقدرة العامل ومشروعية العمل. وتبقى المهارة رزقا من جهة القدرة والتعليم والتيسير، وسببا لكسب آخر من جهة ما يقدمه صاحبها من منفعة؛ ولا تناقض بين الوصفين.
التعلم الذي يتحول إلى منفعة
يحدد المتعلم عملا يريد القدرة على أدائه: إصلاح عطل أو تحرير نص أو إدارة مخزون أو خدمة مريض ضمن التأهيل اللازم. فجمع الدورات لا يثبت الإتقان؛ وإنما ينجز مهمة، ويعرضها على من يحسن تقويمها، ثم يصلح موضع العجز. وتتغير وسيلة التدريب بحسب المجال.
والقدرة وحدها لا تكفي لوجود دخل؛ إذ يحتاج الناس إلى الخدمة، ويحتاج صاحبها إلى الوصول إليهم بعرض صادق وترتيب تعاقدي صحيح. كما أن وجود طلب على مهنة لا يثبت أن كل داخل إليها سينجح. وقد تكون المسافة بين مستواه الحالي ومتطلباتها أكبر مما يستطيع في وقته، فيختار تعلما أقرب إلى حاجته، أو يقسم الطريق إلى مراحل، أو يجمع عملا حاضرا مع إعداد لمورد لاحق.
الأمانة في المؤهلات وحق المتعلم
ليس تزوير شهادة أو إخفاء عجز مؤثر من حسن السعي. ولا يبرر طلب الرزق تعريض أبدان الناس أو أموالهم لعمل لم يتأهل صاحبه له. والتدرج الصادق يحفظ حقه وحق المنتفع: يتدرب فيما يصلح للتدريب، ويبين حدود خبرته، ويستعين بمن يشرف عليه عند الحاجة. كما لا يجوز استغلال المتدرب بوعود كاذبة أو حرمانه مما ثبت له من حقوق.
وعلى الأسرة والمجتمع أن يوسعا وسائل التعلم لمن تعوقه كلفته أو وقته أو إعاقته؛ فالحث على المهارة لا يكتمل دون تهيئة أسبابها. وليس كل من لم يملك شهادة قليل الاجتهاد، ولا كل من سبق غيره أعظم عقلا. تتفاوت الفرص، وقد يحمل شخص مسؤوليات أسرية تحجب وقتا كان غيره قادرا على بذله. الإنصاف يقر أثر الاجتهاد وأثر الظروف معا.
الصناعات وحاجة المجتمع
قد تتعلق بحرفة حاجة عامة تتجاوز ربح فرد واحد. وقد بحث الغزالي في آداب الكسب قصد القيام بفروض الكفايات، ونبه إلى أثر ترك الصناعات والتجارات في تعطيل المعاش. والاستفادة هنا من تقريره لأهمية قيام المجتمع بما يحتاج إليه، لا من افتراض أن كل نشاط تجاري فرض كفاية أو أن كل توسع فيه أفضل من غيره.[١٦]
ولا تنتهي الأمانة عند نيل الشهادة. تتغير الأدوات، ويظهر من الخبرة ما لم يكن معلوما، ويظل صاحب المهنة محتاجا إلى مراجعة عمله. الاعتراف بالحدود قد يحفظ سلامة منتفع ويمنع خسارة كبيرة. ومن رزق فهما سريعا فليحمد الله عليه، وليترفق بمن يحتاج وقتا أطول؛ فسرعة التعلم لا تبيح الكبر، وبطؤه لا يسقط كرامة صاحبه.
أن نفتح بابا لغيرنا
لصاحب الخبرة نصيب آخر من الرزق: أن تصبح معرفته سببا في كفاية متعلم. يستطيع أن يبين الخطأ، وأن يتيح تدريبا آمنا، وأن يزكي الكفء بصدق، وأن يخبر من يبدأ بما يتوقعه فعلا من مشقة وعائد. وهذه منفعة قد تبقى حين ينتهي الأجر المباشر للتعليم. أما بيع الوهم للباحثين عن العمل، وإيهامهم أن دورة قصيرة تكفل الثراء، فيجمع استغلال الحاجة إلى إفساد تصور السعي.
الفصل الثاني والثلاثون
السفر والانتقال لطلب الرزق
ليس الرحيل مجرد تذكرة. إنسان يخرج بما يعرفه، ويدخل بيئة يحتاج أن يتعلمها، ويحمل معه حقوقا لا تبقى خلف الحدود. وقد يكون السفر باب سعة وخبرة، وقد يكون امتحانا شاقا. والنظر المنصف يسع الاحتمالين قبل أن يغلب بريق الوعد على بقية الصورة.
أصل المشروعية وحدود الاستدلال
يدخل الانتقال للمكاسب في تفسير ابن كثير للمشي في مناكب الأرض. وذكر القرآن قوما يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [المزمل: ٢٠] وفسر ابن كثير ذلك بالسفر للتجارة والمعاش. فطلب فرصة في بلد أو مدينة أخرى ليس اعتراضا على القسمة، بل قد يكون أخذا بسبب من أسبابها. وقد يتحقق المقصود بانتقال قريب أو تعامل عن بعد، فلا يحصر معنى السعي في مغادرة الوطن.[١٧]
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] فسياقه الهجرة في سبيل الله. لا يسوى من كل وجه بين هذه الهجرة وبين كل سفر للعمل، ولا يستخرج منه وعد نقدي لكل منتقل مهما كانت نيته وطريقته. يحفظ للنص سياقه، ويستدل لمشروعية سفر التجارة بما يدل عليه.[١٨]
تغيير المكان وتغيير فرص الانتفاع بالقدرة
قد يكون في مكان ما طلب على مهارة لا يحتاج إليها سوق آخر، أو تتوافر فيه أدوات وشركاء وتدريب يناسبها. هذا تفسير عادي محتمل لأثر الانتقال، يحتاج إلى بيانات واقعية، ولا يعني أن للبلد قدرة ذاتية على ضمان الرزق. ومن الخطأ اتخاذ قصة مهاجر واحد مقياسا للجميع؛ فقد اختلف زمن دخوله ومؤهله ونفقاته وشبكة مساندته عن حال من يقتدي به.
ينبغي سؤال من يعرف المهنة في المكان المقصود عن واقعها، والتحقق من العرض وصاحبه وشروط البدء، ومن قبول المؤهل والقدرة على التواصل ومتطلبات الإقامة والعمل السارية. وهذه أمور متغيرة لا تستمد تفاصيلها من كتاب عام. كما تقدر كلفة السكن والنقل والتأهيل والانتقال وإعالة الأسرة، والفترة المحتملة قبل أول دخل؛ فلا تقارن راتبا إجماليا في الخارج بمبلغ متبق بعد جميع النفقات في الداخل.
حقوق قد ترجح البقاء أو الرحيل
من الحقوق المؤثرة رعاية محتاج لا يجد من يقوم به، ونفقة الأسرة، والديون التي حل أداؤها، والقدرة على أداء الواجبات الدينية وصيانة النفس. وتختلف الموازنة بحسب الحال؛ فقد يحقق السفر مصلحة الأسرة، وقد يكشف النظر أن الضرر الراجح أكبر من الزيادة المرجوة. والحكم على الإقامة في بيئة معينة يحتاج أيضا إلى معرفة واقعها وحال الشخص، لا إلى أسماء الدول وحدها.
لا يجعل موافقة الأسرة الشكلية بديلا عن ترتيب رعايتها، ولا يجعل احتمال الاغتراب مانعا لكل انتقال. الأفضل أن تكون المسؤوليات محددة: من يرعى؟ وكيف تصل النفقة؟ وما مدة التجربة؟ وماذا يحدث إن لم يبدأ العمل؟ هذه أسئلة عملية تحمي حقوقا موجودة من أن تضيع وراء منفعة متوقعة.
صور تطبيقية لا أحكام على أشخاص معينين
عامل لديه عرض موثق في مهنة يحسنها، وتبقى له بعد التكاليف كفاية أوسع، وقد رتب حقوق أهله؛ انتقاله صورة معقولة للأخذ بالأسباب. وشخص لا يملك إلا وعدا مجهولا ويحتاج إلى دين لا يطيق تبعته للسفر؛ لا يكفي تشجيعه بعبارة الرزق يحتاج جرأة. وشخص يستطيع تحصيل الكفاية قرب مريض تلزمه رعايته قد يكون بقاؤه أنسب. تختلف الأحكام بتغير الوقائع، ولا تتحول هذه الأمثلة إلى فتاوى تلقائية لكل من يشبهها من وجه واحد.
قبل الرحيل وبعده
ويعرف المسافر الجهة التي يرجع إليها عند النزاع، ويرتب نفقة أهله إن تأخر الأجر وخيار العودة إن لم تصلح التجربة. تؤخذ المعلومات التنظيمية من مصادرها المختصة وقت القرار، لتغير الأنظمة والعروض.
بعد الوصول يقارن المسافر الواقع بتوقعاته، ويرتب السكن والنفقة والتواصل مع أسرته. ويتعلم عادات العمل مع حفظ الأمانة والكرامة. فإن تبين ضرر لا يحتمله بحث الرجوع أو البديل، ولم يمنعه الخجل من إصلاح حاله.
الفصل الثالث والثلاثون
اختيار السبب ودراسة الفرص والموازنة بين البدائل
يتعب إنسانان مقدارا متقاربا، ثم يختلف ما ينتفعان به من تعبهما. ليس في ذلك وحده تفسير كامل لأرزاقهما، لكنه يذكرنا بأن الحركة تحتاج وجهة. ومن الرحمة بالنفس أن نسأل عن جدوى الطريق قبل أن نطالبها بالمزيد من السير فيه.
السؤال عن النافع قبل مضاعفة الحركة
سبق نص حديث «احرص على ما ينفعك» وتخريجه في الفصل ٣٠.
الأمر بالحرص على النافع يوجه إلى معرفة المنفعة، لا إلى كثرة التعب فحسب. فقد يكرر الإنسان طلبات في مجال لا يملك شرطه، أو ينتج سلعة دون سؤال عمن يحتاجها، ثم يظن أن زيادة الساعات وحدها تكفي. يصلح السعي حين يعرف ما ينقصه، ويختار خطوة مؤثرة، ويعرض تصوره على من يستطيع نقده.
تبدأ دراسة الفرصة من الحاجة إلى الخدمة، ودليل القدرة على أدائها، ووسيلة الوصول إلى مستفيديها، ثم كلفتها ووقتها والحقوق المتأثرة بها. وترد ورقة الموازنة التطبيقية في المجلد الثالث.
مقارنة طرق مختلفة للمقصود نفسه
قد تكون الحاجة إلى كفاية مالية أقرب للتحقق بتحسين الخدمة الحالية من تغيير المهنة، أو بتعلم أداة واحدة من بدء تخصص طويل، أو بانتقال داخل البلد من انتقال بعيد. وقد يكون العكس صحيحا. لا يختار الطريق لأنه أكثر إثارة أو لأن صاحبه يخجل من مهنة مباحة، بل يوازن بين القدرة والطلب والكلفة والوقت والحقوق.
ولا ينبغي اختزال النتيجة في أعلى دخل متوقع. ينظر إلى انتظامه، وما يبقى منه بعد النفقات اللازمة، واستقرار الأسرة، وأثر العمل في البدن، وما يكتسبه الإنسان من قدرة نافعة للمستقبل. وهذه العناصر لا تحول إلى معادلة واحدة تصلح للجميع؛ إذ يختلف وزنها بحسب الحاجة. وقد يكون الانتقال إلى دخل أقل مؤقتا مع تأهيل معتبر قرارا معقولا، وقد يكون تعريضا لحقوق عاجلة للضياع؛ والفارق هو تفاصيل الحال.
المعلومات والاحتمال والاحتياط
يفرق بين عرض مكتوب ووعد عابر، وبين خبرة صاحب اختصاص وإعلان ترويجي، وبين تجربة مستقرة ونجاح فردي عارض. ولا ترفض فرصة لمجرد أنها غير مضمونة؛ فالمكاسب العادية تحتمل، ولكن يقدر ما يمكن احتماله من خسارة. ومن صور حسن التدبير ألا يعرض الإنسان جميع ضرورياته وحقوق غيره لتجربة لم تتبين مقوماتها.
والاستشارة لا تعني أن المستشار يعلم الغيب؛ فائدتها كشف ما خفي وتوسيع النظر. يسأل صاحب الخبرة في موضع خبرته، وصاحب العلم عن الحكم عند الاشتباه، وصاحب الحق عما يتعلق به. وقد تتعارض المشورات لأن أصحابها ينظرون إلى جوانب مختلفة؛ فيجمع ما فيها من معلومات، ثم يختار متحملا مسؤوليته بقدر استطاعته.
المعرفة ليست ضمانا
قد يكون القرار سليما بما توفر وقت اتخاذه، ثم يقع ظرف لم يكن مقدورا على معرفته. كما قد يربح قرار متهور مصادفة، فلا يصير التهور منهجا صالحا. تقويم جودة الاختيار ينظر إلى المعلومات والبدائل والحقوق وقت القرار، أما النتيجة فهي دليل إضافي يحتاج فهما. ويمنع هذا التفريق قسوة لوم النفس عند خسارة غير متوقعة، كما يمنع الاغترار بنجاح لا يستند إلى عمل متقن.
قد يكون البديل الأول أقل عائدا لكنه أسرع إلى سد نفقة عاجلة، ويكون الثاني أوسع مستقبلا لكنه يحتاج زمنا لا تطيقه الأسرة بلا مساندة. وقد يمكن الجمع بينهما فترة، وقد لا يمكن. لا توجد فضيلة شرعية ملازمة للخيار الأكثر مخاطرة أو للخيار الأكثر تحفظا؛ الفضيلة في موافقة الحق وحسن استعمال القدرة، مع نظر صادق في العواقب المتوقعة.
ومن المهم أن يتجنب المرء الاستشارة التي لا يريد منها إلا التصديق على ما حسمه في نفسه. يسأل من يستطيع أن يبين له عيبا، ويصغي إلى من تتأثر حقوقه بقراره، ويغير تقديره إذا ظهرت معلومة مؤثرة. ليست مراجعة الرأي نقصا في الهمة، بل قد تكون ثمرة العلم الذي طلبه. وفي الوقت نفسه لا ينتظر يقينا بشريا يستحيل حصوله؛ يجمع القدر المعقول من البيان ثم يختار مستعينا بالله.
ما وراء العنوان الجميل
قد تزين الفرصة بلغة النجاح والتميز، ويبقى العمل الحقيقي مختلفا. يسأل عن المهمة اليومية، وطريقة تقويمها، وشروط استحقاق المقابل، والالتزامات التي يتحملها. وما لا يفهمه لا يخجل من طلب شرحه. الرزق الطيب يبدأ أحيانا بسؤال واضح يمنع نزاعا طويلا، أو باعتذار عن عقد لا يستطيع الوفاء به.
وليس المراد أن يحصي كل احتمال بعيد، بل أن يعرف المخاطر القريبة المؤثرة وأن يحتاط لها بقدرها. المبالغة في التخوف قد تمنع فعل الممكن، كما أن إخفاء العيوب قد يورط صاحبه فيما لا يحتمل. والعقل العملي ينمو بين هذين الطرفين بالمعلومة والتجربة والمشاورة.
الفصل الرابع والثلاثون
التخطيط والتجربة والاستشارة والاستخارة
قد يعيش المشروع طويلا في ذهن صاحبه، يزداد وضوحا في الخيال ولا يخطو في الأرض خطوة. وليس العزم كلاما يقوله الإنسان لنفسه كل مساء؛ إنما تظهر بدايته حين يختار فعلا ممكنا ويهيئ له وقتا، ثم يقبل ما تكشفه التجربة من تصحيح.
من القصد العام إلى خطوة ممكنة
من قال أريد سعة الرزق، احتاج أن يسأل: ما الذي أستطيع فعله الآن؟ قد تكون الخطوة جمع معلومات، أو إصلاح أداة، أو إكمال طلب وظيفة، أو سؤال صاحب عمل عن شرط ناقص. ولا يستصغر العمل المحدد لصغر حجمه؛ فقد يزيل عائقا طال بقاؤه. كما لا يجعل التنظيم نفسه بديلا عن التنفيذ، فيقضي وقته في خطط لا يختبر شيئا منها.
يحدد العامل وقتا مناسبا للخطوة، ودليلا على إنجازها، وموعدا لمراجعة ما تعلمه. هذه مواعيد إدارية تقبل التعديل، ولا تربط بوعد مالي أو حكم على الإخلاص.
تجربة محدودة قبل التزام كبير
من أراد تعلم حرفة، أمكنه أن يتعرف إلى عملها اليومي قبل شراء أدوات مكلفة. ومن أراد خدمة جديدة، أمكنه أن يسأل منتفعين محتملين وأن يقدم نموذجا صادقا ضمن قدرته. ومن أراد انتقالا بعيدا، أمكنه أولا أن يتحقق من الأوراق والعرض والتكاليف. لا تكون التجربة ممكنة دائما، لكنها حيث أمكنت قد تقلل الجهل الذي يبنى عليه القرار.
وتحدد للتجربة غاية واقعية: معرفة القدرة على التعلم، أو فهم حاجة العملاء، أو اكتشاف شرط لم يكن معلوما. أما وعد النفس بأن تجربة قصيرة يجب أن تنتج دخلا كافيا فليس لازما. وقد تكون فائدتها أن تكشف مبكرا عدم مناسبة طريق، فتمنع التورط في كلفة أكبر. وفي بعض الحالات تكشف أن الطريق صالح لكن يحتاج وقتا أو مساندة أكثر.
الاستخارة مع النظر في الأسباب
عن جابر بن عبد الله ـ رضى الله عنهما ـ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال عاجل أمري وآجله ـ فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به ـ قال ـ ويسمي حاجته».[١٩]
يجمع دعاء الاستخارة طلب الخير في الدين والمعاش والعاقبة. فيصلي المسلم ويدعو على الصفة الواردة، ويستشير وينظر، ثم يمضي فيما يختاره من المباح مفوضا أمره إلى الله.
ولا يتضمن هذا الحديث اشتراط رؤيا يراها المستخير، ولا وعدا بأن كل مشروع استخار فيه سيحقق ربحا. كما لا تحول المصادفات والأحاسيس العابرة إلى دليل على أن عقدا مشتبها أصبح مباحا. الاستخارة عبودية وطلب اختيار الخير، وليست وسيلة لإسقاط ما يلزم من التثبت أو أداء الحقوق.
حفظ الاستمرار دون استنزاف
يحفظ العمل المنتظم الطاقة والأمانة؛ فيختار المرء مهمة تناسب وقته، ويترك مجالا لحاجات أسرته وللطوارئ. ويتدرج بحسب قدرته، مع معالجة التسويف حين يعرف من نفسه الإمكان والتأخير. وتقدم أوراق المجلد الثالث وسيلة لمراجعة التنفيذ والتعلم.
وإذا اختار بعد النظر، لم يكن معنى التفويض أن يتخلى عن متابعة العقد وجودة العمل. التوفيق الذي سأله الله يطلبه أيضا في حسن الأداء والصبر على التعلم، وفي الشجاعة اللازمة للاعتراف بخطأ ظهر له.
الفصل الخامس والثلاثون
عوائق السعي ومسؤولية المجتمع
حين يقال لمحتاج: اعمل، قد تكون الكلمة نافعة إذا اقترنت بباب يستطيع دخوله. وقد تكون قاسية إذا تجاهلت مرضه أو رعايته لضعيف أو حاجزا يحول بينه وبين الفرصة. والعدل في خطاب السعي أن يرى الإنسان الذي يخاطبه، لا صورة مفترضة لا تعرف التعب والعجز.
ما يملكه الفرد وما لا يملكه
تكون بعض عوائق الكسب قريبة من تصرف الفرد: ضعف مهارة يمكن تعلمها، أو تأخر متكرر، أو إهمال في خدمة. وتكون أخرى خارج قدرته المباشرة: مرض، أو تعطل سوق، أو منع ظالم، أو افتقاد وسائل النقل والتأهيل. وقد تجتمع في حالة واحدة. والعدل أن يطلب منه إصلاح ما يستطيع، وأن يعان فيما يعجز عنه، دون نفي مسؤوليته كلها أو تحميله مسؤولية الظروف كلها.
وقد يكون بذل السبب المناسب للعاجز طلب علاج أو مساعدة أو توكيل من ينوب عنه، لا مباشرة المهنة بنفسه. ومن حق المحتاج أن ينتفع بالمساعدة المشروعة إذا استحقها؛ ولا يشترط ليكون حسن التوكل أن يستغني عن كل مخلوق في جميع أحواله. فالخلق يتعاونون، والرزق قد يصل إلى الإنسان على يد غيره.
العمل الذي لا يظهر في الراتب
رعاية الأطفال والمرضى وإدارة حاجات البيت قد تكون جهدا حقيقيا يحفظ حياة الأسرة ويتيح لغير القائم به الكسب. لا يصح وصف كل من لا يتلقى أجرا بأنه لا يسعى أو لا ينتج منفعة. وفي المقابل لا يغني تقدير هذا الجهد عن بحث حاجة الأسرة إلى المال وكيفية توزيع الأدوار بتراضي أصحاب الحقوق وبما لا يضيع واجبا.
التمكين العملي من أسباب الكفاية
إذا حث المجتمع الشاب على تعلم حرفة، فمن تمام نصحه أن يسهل تدريبا صالحا، ويمنع الاستغلال، ويتيح معلومات صادقة. وإذا دعا المريض إلى العمل، فعليه أن يراعي قدرته ووسائل التيسير المناسبة. وتدخل في الإصلاح كذلك صيانة الأجور والعقود وإتاحة وسائل المطالبة بالحق، حتى لا تكون ثمرة الاجتهاد نهبا للمعتدي.
عن عبد الرحمن بن عوف، قال: ـ رضى الله عنه ـ لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أى زوجتى هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها. قال فقال عبد الرحمن لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة قال سوق قينقاع. قال فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأقط وسمن ـ قال ـ ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تزوجت». قال نعم. قال «ومن». قال امرأة من الأنصار. قال «كم سقت». قال زنة نواة من ذهب أو نواة من ذهب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أولم ولو بشاة».[٢٠]
تجتمع في الخبر مبادرة عبد الرحمن بن عوف وبيئة المؤاخاة وعرض سعد بن الربيع المساعدة. فيستفاد منه السعي والتعاون، ولا يستخرج منه أمر لكل محتاج برفض العون أو ضمان بالثراء لكل من دخل السوق.
مساعدة تعيد القدرة
قد تكون حاجة الباحث عن العمل إلى نفقة عاجلة قبل حاجته إلى تدريب طويل، وقد تكون إلى أداة بسيطة بعد أن أتقن المهنة، وقد تكون إلى من يوصله بجهة موثوقة. لا يحسن توحيد المساعدة قبل فهم العائق. يسأل المعين باحترام، ويحفظ خصوصية المحتاج، ويتيح له أن يشارك في اختيار ما يناسبه.
وليست كل مساعدة مؤقتة، ولا كل عجز يزول بالتأهيل. قد يحتاج شخص إلى نفقة مستمرة لعلة دائمة، فلا تكون إعانته أقل قيمة لأننا لم نحوله إلى صاحب مشروع. ومنهم من يقدر على بعض العمل ويحتاج إلى تيسير، فيجمع له بين الإعانة وحفظ ما يستطيع من مشاركة. الكرامة لا تشترط قدرة كاملة، والإحسان لا يقاس بمقدار ما يوفره على المعين في المستقبل.
حين تكون المؤسسة سببا للإنصاف
تظهر مسؤولية جهة العمل في وضوح شروطها، وصدق إعلانها، واحترامها للحقوق، وفي إتاحة فرصة تقويم عادلة لمن تختلف ظروفه. وقد يستطيع مسؤول أن يزيل إجراء لا حاجة إليه يحجب أهل الكفاءة، أو أن يقدم تدريبا يحفظ سلامة المتعلم وحق المنتفع. هذه أعمال تتصل بمعنى الرزق من جهة تسهيل الوصول إلى الكسب المشروع.
ومع تشجيع المبادرة الفردية، تبقى مقاومة الغش وحبس الأجور وأكل الحقوق واجبا بحسب القدرة والولاية. لا يطلب من المظلوم أن يعالج ظلمه بزيادة الاجتهاد وحده، ولا يمنع من الشكوى المشروعة باسم الصبر. وفي الوقت نفسه لا يستعجل اتهام كل مخالف قبل معرفة الوقائع. الإنصاف يحفظ حق العامل وصاحب العمل، ويعالج النزاع ببيان واستيثاق.
الفصل السادس والثلاثون
التعثر وتغيير المهنة وتقويم النتائج
أثقل ما في الخسارة أحيانا أنها تتجاوز المال إلى صورة الإنسان عن نفسه. كان يرى مشروعه وعدا بالمستقبل، فإذا تعثر ظن أن الباب أغلق على حياته كلها. وهنا يحتاج إلى كلمة تعيد الأشياء إلى أحجامها: تعثر تجربة لا يستوعب قيمة صاحبها، وما بقي من قدرة وخبرة قد يكون أول طريق جديد.
لماذا قد لا يثمر السعي كما توقع صاحبه
قد يكون السبب غير مناسب، أو ناقصا، أو جيدا في وقت ثم تغيرت الظروف. وقد تبذل الأسباب المناسبة ولا تقع النتيجة المرجوة لحكمة لا يحيط بها الإنسان. يفرق بين تفسير يمكن التحقق منه، مثل خلل جودة أو ارتفاع تكلفة، وبين تعيين غيبي مثل أن الله منع الربح بسبب ذنب محدد. يتوب الإنسان من ذنوبه المعلومة ويصلح عمله، دون أن يدعي معرفة سبب كل بلاء.
المثابرة وتغيير الطريق
تكون المثابرة نافعة حين يدل التقدم والخبرة على أن الطريق مناسب ويحتاج إلى استكمال. ويكون التعديل أنفع حين يتكرر ظهور عيب جوهري لم يمكن إصلاحه، أو تتبين كلفة لا يحتملها صاحبه، أو يتغير الطلب على العمل. وليس ترك مشروع خاسر اعتراضا على القدر، كما ليس الإصرار على كل مشروع توكلا. وقد يكون تغيير أداة أو سوق كافيا دون تغيير المهنة كلها.
والقرار لا يبنى على الخسارة الماضية وحدها، بل على ما يرجح أن يحدث إذا استمر أو توقف، وعلى الحقوق المترتبة في الحالين. وما أنفق سابقا لا يوجب الاستمرار في إنفاق لا ترجى منفعته. لكن إنهاء العمل لا يبيح إضاعة مستحقات العاملين أو المتعاملين؛ فواجب تصفية الحقوق يبقى بحسب ما ثبت وقدر عليه صاحبه.
مراجعة الماضي دون التحسر المعطل
سبق نص حديث «احرص على ما ينفعك» وتخريجه في الفصل ٣٠.
يجمع الحديث بذل السبب قبل الفعل والتسليم بعد وقوع ما لا يمكن رده. ومراجعة الخطأ لإصلاح المستقبل غير الاستغراق في التحسر؛ فيستطيع الإنسان الاعتراف بخطئه وتغيير طريقته مع الإيمان بالقدر.
ولا يعني الرضا إسقاط مطالبة مشروعة أو ترك علاج أو الامتناع عن البحث عن عمل أفضل. وقد يحزن الإنسان على خسارته ويطلب الفرج ويبذل سببا جديدا، دون أن يكون في ذلك تناقض مع التسليم. ويحتاج في أوقات التعثر إلى من يعينه على ترتيب الضروريات، لا إلى من يزيد عليه حكما على قلبه لا يعلمه.
ما يبقى بعد التجربة
ليس تحسين الحال المادي وحده تمام المقصود؛ فقد يكتسب الإنسان علما ومهارة وعلاقات صادقة وقدرة على أداء الحقوق. ومع ذلك لا تستخدم هذه المعاني لإنكار حاجته إلى مال يسد جوعا أو يؤدي دينا. يطلب الحلال والكفاية والبركة، ويشكر النفع المتحقق، ويستمر في معالجة الحاجة القائمة.
مراجعة تصون الإنسان والحق
تبدأ المراجعة بوصف ما حدث دون مبالغة: ما الذي نقص؟ ومتى ظهر؟ وما المعلومة التي لم تكن متاحة؟ وما الخطأ الذي كان يمكن تجنبه؟ لا يحتاج المرء إلى جلد نفسه حتى يكون صادقا، ولا إلى تبرئتها من كل شيء حتى يحفظ كرامته. الاعتراف المحدد أقرب إلى الإصلاح من الحكم الشامل بأنه فاشل أو مظلوم في جميع الأحوال.
ثم يقدم الحقوق العاجلة على محاولة استعادة الصورة السابقة بسرعة. يسأل عما يلزمه أداؤه، ويبين لمن له حق ما يستطيع وما يعجز عنه بصدق، ويطلب المشورة فيما اشتبه من تسوية أو التزام. وقد يحتاج إلى التوقف عن تعهدات جديدة حتى يفهم قدرته. لا يصلح الضرر القديم بوعد جديد لا يستطيع الوفاء به.
ومن الحكمة أن يفصل بين القرار وبين الحرج الاجتماعي المحيط به. ربما استمر في عمل لا يناسبه لأنه أخبر الناس بنجاحه المتوقع، وربما رفض عملا مباحا يحتاجه لأنه لا يشبه منزلته السابقة. وما دام الطريق الجديد سالما في نفسه، فلا يعيبه أن يكون متواضع البداية. قد يكون الرجوع إلى مهمة أصغر إحياء للقدرة، لا نهاية لها.
الباب السادس
فقه الكسب والمعاملات والحقوق
وفي هذا الباب ينتقل النظر من قرار الفرد إلى علاقاته بالناس. نتأمل آداب السوق والدين والحقوق، ثم الفقر ومسؤولية المجتمع، والغنى وما يختبر به القلب. وما يبدو شأنا ماليا خالصا يكشف في حقيقته مقدار الأمانة والرحمة والعدل في حياة صاحبه.
الفصل السابع والثلاثون
آداب السوق وأحكام المعاملة
قد يدخل المال إلى يد صاحبه في لحظة واحدة، وتبقى آثار الطريقة التي دخل بها زمنا طويلا. كلمة صادقة تحفظ ثقة، وعيب مكتوم يفسدها، ووعد يوفى به يجعل السوق مكانا يأمن فيه الناس على حاجاتهم. لذلك لا ينفصل فقه الرزق عن دقائق المعاملة التي تقع بعيدا عن أعين الرقباء.
السوق موضع لاختبار الصدق والعدل كما هو موضع لتبادل المنافع. فالمشتري لا يملك غالبا معرفة البائع كلها بالسلعة، ولهذا كان بيان العيب مؤثرا في حقيقة رضاه. وإذا أخفى البائع ما يؤثر في الثمن أو الانتفاع فقد استغل تفاوت المعرفة، وإن اكتملت صورة العقد من الخارج.
تشمل أمانة الوصف الإعلان والضمان والشروط المؤثرة في قرار المشتري. ولا يجوز اختراع تقييمات أو تزكية لم تصدر عن أصحابها لترويج سلعة؛ فنجاح الإعلان لا يغير حقيقة الخبر.
بركة الصدق
عن عبد الله بن الحارث، رفعه إلى حكيم بن حزام ـ رضى الله عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ـ أو قال حتى يتفرقا ـ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما».[٢١]
يجمع الحديث صدق الخبر وبيان ما يحتاج إليه الطرف الآخر؛ فقد يستعمل المتعامل كلاما صحيحا في بعض ظاهره ثم يكتم ما يغير فهم المبيع. فالأمانة أوسع من تجنب الكذبة الصريحة.
وقد يكون ثمن الصدق العاجل أن يفوت بيع، أو تقل عمولة، أو يختار المشتري سلعة أخرى. لا يخرج بذلك الصدق عن كونه مطلوبا. العبد مسؤول عن البيان الذي يملكه، ويرجو من الله البركة والعوض، ولا يشترط على ربه أن يرى ربح الطاعة في الصفقة نفسها.
ومن التطبيقات القريبة أن يصف مقدم الخدمة حدود ما يستطيع إنجازه، وأن يوضح ما يدخل في الثمن وما يخرج عنه، وأن يبين وقت التسليم وما يتوقف على عمل الطرف الآخر. وإذا ظهر له أنه أخطأ في تقدير مؤثر، بادر إلى البيان والمعالجة العادلة، بدل أن يجعل الغموض وسيلة للنجاة بنفسه.
حفظ الحقوق دون قسوة
قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] والتطفيف يوقظ الضمير تجاه نقص قد يراه صاحبه يسيرا، بينما يتكرر على حقوق خلق كثيرين. فالمسألة ليست مقدار الربح وحده، بل الطريقة التي أخذ بها، وما إذا كان صاحب الحق قد تسلم ما اتفق عليه.
عن جابر بن عبد الله ـ رضى الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».[٢٢]
تظهر السماحة في الكلام والتعامل واحتمال ما يسوغ احتماله، مع حفظ التوثيق والمطالبة بالحق. فيستقيم العمل بوضوح ورفق دون إهانة الناس.
ويحتاج صاحب العمل إلى مراجعة الرسالة التي يكافئ عليها العاملين معه: هل يهمه عدد المبيعات فقط، أم يحاسب أيضا على صدق الوصف ووفاء الخدمة؟ فقد يصنع نظام المكافآت ضغطا يزين الكتمان، ثم يتبرأ المسؤول من آثاره. ومن تمام الأمانة أن تكون الوسائل التي تنظم العمل موافقة للخلق الذي يدعو إليه صاحبه.
ولا يغني هذا التأصيل عن فقه العقود المستحدثة عند الاشتباه. تعرض حقيقة الالتزام والمقابل والضمان والمخاطرة على أهل العلم؛ لأن الاسم التجاري وحده قد يخفي صورا مختلفة. المهم أن يصل السؤال إلى المعاملة كما تقع، لا إلى عنوان يطمئن إليه السائل قبل أن يفهم ما تحته.
الفصل الثامن والثلاثون
الدين والتوثيق والإعسار
قد يكون الدين فرجا في وقت الحاجة، ثم يصبح هما يرافق صاحبه إذا غاب البيان أو اختل الوفاء. وفي أحكامه يتجلى توازن دقيق: لا يضيع مال من أعطى، ولا يترك من أعسر فريسة للضغط والإذلال.
والكتابة والشهود والرهن وسائل لحفظ الحقوق ومنع النزاع. ويعرض تفسير آية الدين تفصيلا واسعا في أحكامها واختلاف الفقهاء، ولا تختصر الآية إلى نصيحة إدارية عامة. ومع ذلك لا يلزم أن تكون كل وسيلة توثيق معاصرة منصوصة بعينها؛ فالتطبيق يحتاج فهم الوظيفة التي تؤديها والقيود الشرعية المتعلقة بها.
ومن الخطأ أن يجعل الاقتراض مظهرا دائما للتوسع أو المنافسة الاجتماعية، أو أن يطلب من المحتاج إخفاء عجزه حتى لا يظهر فقيرا. والأقرب لحفظ الرزق أن تصدق المعلومات عند التعاقد، وأن تظهر القدرة الواقعية، وأن يعالج التعثر مبكرا. وهذا توجيه عام، أما الحكم على شروط تمويل محدد فيحتاج قراءة العقد كاملا وأهلية للنظر فيه.
حين تكتب الحقوق
قال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ومن منفعة التوثيق أنه يحفظ الذاكرة من اختلاف الروايات، ويمنع تحول المودة إلى خصومة بسبب مبلغ أو أجل لم يضبط. وليس في الكتابة اتهام لازم للآخر؛ قد يحتاج إليها وارث أو وكيل لم يحضر الاتفاق.
ويتأكد البيان حين يلتبس وصف المال. هل هو قرض يرد مثله، أم مشاركة تحتمل ربحا وخسارة وفق عقدها، أم هبة لا يطالب بها؟ لا يصلح أن يترك الوصف معلقا مراعاة للحرج ثم يطالب أحد الطرفين صاحبه بما لم يفهم أنه التزم به. وحفظ الألفة يكون أحيانا بكلمة واضحة في البداية.
نية الوفاء ومسؤولية الاستعداد
عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».[٢٣]
صدق نية الوفاء يصحبه ما يستطاع من إعداد أسباب الأداء، والبيان عن الحال، وترك التوسع الذي يعرض حقوق الآخرين لتبعة لم يرضوا بها.
عن همام بن منبه، أخي وهب بن منبه أنه سمع أبا هريرة ـ رضى الله عنه ـ يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مطل الغني ظلم».[٢٤]
ولا يجوز الاستدلال بتأخر السداد وحده على فساد نية المدين. قد تأتيه جائحة أو تنقطع عنه جهة كان يتوقع منها مالا على وجه معتبر. لذلك يفرق الشرع بين العجز والمماطلة؛ فمطل الغني ظلم، بينما أمر الله بإنظار المعسر إلى الميسرة، ورغب في التصدق عليه.
معالجة التعثر بصدق
من نفع الصراحة المبكرة أنها تتيح ترتيبا قبل أن تتراكم الوعود غير المنجزة. يبين المدين ما وقع، وما يستطيع أداءه، وما لا يستطيع الجزم به، ولا يحول الخجل إلى انقطاع كامل عن صاحب الحق. ويطلب الدائن حقه من غير عدوان، ويتحقق من العسر بوسيلة عادلة، ويعرف أن مكانة المدين أو ضعف صوته لا تغير حقيقة الحكم.
ومن كان قادرا فليتذكر أن المال المحبوس قد يكون نفقة بيت آخر. ربما رأى التأخير أمرا يسيرا لأن ماله كثير، بينما ينتظر صاحبه به طعاما أو أجرة سكن. فقه الرزق يوسع النظر من راحة من يمسك المال إلى حياة من ينتظر وصوله.
والدعاء بقضاء الدين معين للقلب، لكنه لا يقوم مقام رد الحق أو الاتفاق الصحيح مع صاحبه. كما لا تصبح كل وسيلة تمويل مباحة لمجرد الرغبة في التخلص من دين قائم؛ ينظر في الطريق الجديد كما نظر في الأول، حتى لا يتسع الضرر تحت اسم المعالجة.
الفصل التاسع والثلاثون
حقوق المال والزكاة والنفقات
ليس كل ما استقر في الحساب متاحا لصاحبه على السواء. قد يتعلق بعضه بأجرة تأخرت، وبعضه بنفقة واجبة، وبعضه بزكاة حان وقتها. ومن حسن معرفة النعمة أن يعرف الإنسان من ينتظر حقه فيها، قبل أن يسأل عن مجال جديد لاستهلاكها.
وتبين آيات الرضاع والنفقة تداخل حقوق الطفل والأم والأب، وتربط بعضها بالمعروف وبحدود الوسع. فلا تدرس الأسرة على أنها حساب دخل فردي فقط؛ فالأعمال التي تحفظ الطفل والمنزل لها أثر في كفاية الأسرة ولو لم تكن جميعها ذات أجر نقدي مستقل. وتفصيل الالتزامات القضائية والفقهية يحتاج إلى مراعاة العقد والحال والمذهب والنظام المطبق.
ترتيب البذل
عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها، كانت له صدقة».[٢٥]
ترد النصوص الاعتبار إلى نفقة هادئة تتكرر كل يوم فتحفظ حياة من اؤتمن عليهم المنفق. ويزيدها الاحتساب معنى القربة وإن لم يلتفت الناس إلى أثرها.
ولا يكون التطوع سببا لتضييع لازم. فمن كانت في ذمته أجرة مستحقة وهو قادر عليها، بدأ بالوفاء ولم يجعل تبرعه مبررا لحبسها. ومن كانت له نفقة واجبة، لم يحولها إلى منة يتفضل بها إذا رضي. هذا الترتيب يمنح العطاء صدقه؛ لأن الإحسان إلى بعيد لا يمحو ظلم قريب.
الزكاة حق له أحكامه
ذكرت آية التوبة مصارف الزكاة الثمانية [التوبة: ٦٠] فليس كل وجه خير مصرفا للزكاة بمجرد استحسانه، ولا كل مال يخرج من اليد يقع زكاة من غير نية وشروط. يحتاج المالك إلى معرفة ما وجب في ماله، ووقت أدائه، ومن يصح دفعه إليه. وتفاصيل الأموال والشركات والديون والنوازل تعرض على أهل الاختصاص، مع تقديم البيانات الصحيحة.
والفقير ليس مادة لإظهار سخاء الغني. يعطى حقه بما يحفظ كرامته، وتراعى حاجته الواقعية، ولا يشترط عليه ما لا يجوز من إذلال أو خدمة أو دعاية. ومن أمكنه أن يصل إلى المتعفف بطريق مأمون فقد خدم مقصدا دل عليه القرآن حين وصف من لا يفطن الناس إلى حاجته.
المال الذي تحت اليد لا تحت الملك
قد يدير الإنسان مال وقف أو شركة أو يتيم أو جهة عامة، فيألف سلطة التصرف حتى تضعف في نفسه الحدود بين الأمانة والملك. والتمييز بينهما أصل: ما أذن له فيه متعلق بمصلحة أصحابه وشروط الولاية، ولا يصير ماله بسبب سهولة الوصول إليه.
يعين على الأمانة بيان الصلاحيات، وتسجيل الإنفاق، ومراجعة تعارض المصالح. فوضوح الحساب يحفظ حق أصحابه، ويمنع أن يعتمد الأمين على ثقته بنفسه مع غموض التصرف.
الفصل الأربعون
الفقر والعفة والمسؤولية الاجتماعية
ليس الفقر دائما ظاهرا في الثوب أو الصوت. قد يجلس المحتاج بين الناس هادئا، ويعود إلى بيت لا يعرف كيف يفي بنفقته. ومن دقة الهداية القرآنية أنها تعلم المعطي أن ينظر وراء المظهر، وألا يجعل الإلحاح شرطا لتصديق الحاجة.
وفي سورة البلد اقتران اقتحام العقبة بفك الرقبة والإطعام في يوم المسغبة ورعاية اليتيم والمسكين [البلد: ١٣–١٦]، وفي الماعون ذم دفع اليتيم وترك الحض على طعام المسكين [الماعون: ٢–٣]. وهذا يجعل معالجة الفقر جزءا من الأخلاق والعبادة والمسؤولية الاجتماعية، لا بابا اختياريا ينفصل عن تصور الرزق.
أن نفطن إلى المتعفف
قال تعالى في وصف فقراء متعففين﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فالآية لا تمدح غفلة المجتمع عنهم؛ بل تكشف أن التعفف قد يحجب الحاجة عن نظر لا يتأمل. ومن الإحسان السؤال برفق، والاستعانة بمن يعرف الأحوال، وإيصال المعونة بوسيلة لا تفضح صاحبها.
ولا ينبغي أن يستنزف المحتاج في تكرار قصته المؤلمة أمام كل باب. يصح التثبت من الاستحقاق وحماية المال من الاحتيال، لكن بقدر الحاجة وبما يحفظ السر. ومن يملك قرار الإعانة مؤتمن على المعلومة كما هو مؤتمن على المال.
متى يسأل الإنسان
عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». قال ثم قال «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش – أو قال سدادا من عيش – ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش – أو قال سدادا من عيش – فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا».[٢٦]
بين حديث قبيصة أحوالا أبيحت فيها المسألة، ومنها جائحة تستأصل المال وحاجة تثبت على الوجه المذكور في الحديث، وجعل للسؤال حدا ينتهي عند بلوغ الكفاية التي يجب معها الإمساك عن المسألة. فلا تحمل فضيلة التعفف على منع محتاج من كل طلب مشروع، ولا تجعل الرخصة طريق تكاثر لمن استغنى عنها.
ومن عجز عن نفقة ضرورية فطلب عونا مشروعا لم يسقط بذلك قدره. قد يمد الله إليه رزقه بواسطة قريب أو صدقة أو حق في الزكاة. قبول العون في موضعه لا ينافي التوكل، كما أن شكر المعين لا يصرف الشكر عن الله الذي يسر الإعانة.
أثر يبقى بعد المساعدة
للعطاء النافع صور تختلف باختلاف الحال. قد يكون سداد حاجة ملحة هو الأول، وقد يكون شراء أداة أو إتاحة تدريب هو الأنسب، وقد يحتاج من يقوم على رعاية عاجز إلى مساندة تتيح له وقتا. يسأل المعين عما ينقص الإنسان فعلا، ولا يفرض عليه مشروعا لأنه أحب صور الإحسان إلى نفسه.
عن أبي هريرة، قال قال النبي صلى الله عليه وسلم «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار».[٢٧]
يدل فضل الساعي على الأرملة والمسكين على قيمة الخدمة المستمرة: متابعة الحاجة، والتوسط فيها، وصيانة الحق؛ وهي أعمال يتجاوز أثرها لحظة تسليم المال.
الفصل الحادي والأربعون
الغنى والمنافسة والاستدراج
تتسع مع المال أبواب الخير والامتحان؛ يستطيع صاحبه رفع حاجة لم يكن يملك رفعها، وقد يزيد ما يشغله. فالغنى يوسع الاختيار، وحسن الاختيار يحتاج إلى بصيرة وعمل.
حين تصبح المقارنة عادة
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله». قال أبو معاوية «عليكم».[٢٨]
قد يكفي الإنسان ما عنده حتى يرى ما عند غيره، فيتحول الإحساس بالكفاية إلى شعور متجدد بالنقص. لا يتغير طعامه ولا مأواه في تلك اللحظة؛ الذي تغير معيار نظره. ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى النظر إلى من هو دونه في أمر الدنيا، بما يعين على عدم ازدراء نعمة الله.
وليس المقصود النظر إلى آلام الناس ليستمد المرء منها تفوقا، وإنما أن يصحح وهمه بأن ما معه قليل لا يستحق الشكر. يرى قدر العافية والأمن والكفاية، ثم يتحرك لتحسين حاله من موقع أبصر بما عنده. ويستطيع أن يتعلم من ناجح من غير أن يجعل حياته نسخة منه أو يرى نجاحه سلبا لحقه.
خوف يحمي ولا يتهم
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥–٥٦] تحطم الآيتان الوهم الذي يجعل وفرة المال برهانا كافيا على الرضا، وتدعوان إلى محاسبة تتجاوز ظاهر العطاء.
يكون الخوف نافعا حين يسأل المرء نفسه: هل زادتني النعمة شكرا؟ هل أديت حقها؟ هل أصررت على ظلم واحتججت بنجاحي؟ أما تحويل الخوف إلى اتهام للغني بعينه بالاستدراج، من غير حجة على دعوى الغيب، فليس من العلم. نحكم على فعل ظهر بدليله، ونكل السرائر والمآلات إلى الله.
سعة تتسع بها الرحمة
يصاحب نمو المال نمو الإحسان: وفاء بالعقود، وأداء للأجور، وعفة عن استغلال المحتاج، وإنفاق من الفضل. وقد يسبق التوسع إصلاح نظام أهملت فيه حقوق العاملين والمتعاملين.
الباب السابع
أسباب سعة الرزق والبركة وأسباب المحق والإضاعة
نقرأ هنا ما ورد في التقوى والتوبة والصلاة والدعاء والصلة والصدقة والشكر، ثم ما يفسد الكسب من ربا وخبث، وما يضيع العطاء من إسراف وطغيان. يظل النص قائدا للرجاء والعمل، وتبقى التجربة في حدودها؛ فنرجو وعد الله، ونحذر معصيته، ولا نخترع مواعيد للأرزاق أو أحكاما على خفايا أقدار الناس.
الفصل الثاني والأربعون
البركة وحقيقة الانتفاع بالرزق
قد يسأل الإنسان زيادة المال، ثم يكتشف أن حاجته لا تقف عند المقدار: يريد مالا يعينه ولا يفسده، ووقتا ينتفع به، وعافية يطيق بها أداء حقه. هنا تتقدم كلمة البركة، بما تحمله من رجاء الخير في العطاء وثمرته.
وترد البركة في القرآن متعلقة بالوحي وبالأماكن وبالأشخاص على وجوه مختلفة. فلا ينقل حكم البركة في شيء مخصوص إلى شيء آخر بمجرد التشابه اللفظي. ولا تستعمل الكلمة لإثبات قدرة خفية في جسم أو عدد أو ممارسة لا دليل عليها، كما لا تصنع بها أسواق لبيع وعود الغنى والشفاء.
البركة والكثرة والكفاية ثلاثة معان لا تتطابق
الكثرة وصف للمقدار، والكفاية علاقة بين الموجود والحاجة، والبركة خير يضعه الله في العطاء وآثاره. فقد يكثر المال ولا يكفي بسبب كثرة الالتزامات أو سوء التصرف، وقد يكفي مقدار أقل أسرة أخرى لاختلاف حالها، وقد يجتمع الخير مع القليل أو الكثير. وليس في النصوص مسوغ لجعل القليل مباركا دائما، أو الكثير ممحوقا دائما، أو كل خسارة علامة على ذهاب البركة.
عن أنس ـ رضى الله عنه ـ قال قالت أمي يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له. قال «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته».[٢٩]
واجتماع طلب الكثرة والبركة في الدعاء لأنس يمنع التوهم أن الزهد لا يصح إلا مع قلة المال والولد. الزهد يتعلق بحال القلب والطاعة والحقوق، ويمكن أن يكون المال الواسع عونا على العلم والإنفاق وصلة الرحم. لكن المال لا يضمن هذه الثمرات بمجرد وجوده؛ إذ قد ينقلب إلى سبب للطغيان إذا استعمل في الظلم أو تعلق القلب به تعلقا يفسد الواجبات.
عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، أن حكيم بن حزام ـ رضى الله عنه ـ قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى». قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ـ رضى الله عنه ـ يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ـ رضى الله عنه ـ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا. فقال عمر إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفىء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي.[٣٠]
تتصل البركة بكيفية تلقي المال وحال النفس عند طلبه. ويختلف التطلع المذموم إلى ما في أيدي الناس عن السعي المشروع لاستيفاء أجرة أو حق ثابت.
من المحاسبة مراجعة الحقوق التي أداها المال، والمنفعة التي حفظها، والظلم أو الهدر الذي وقع فيه. وهذه أمور ظاهرة يمكن إصلاحها، دون أن تكون درجات تقيس بركة حياة الإنسان أو منزلته عند الله.
وتنظيم الميزانية وتقليل الهدر وسائل نافعة لا تستنفد معنى البركة. قد يحسن التدبير ويبقى الدخل دون الحاجة، فيحتاج صاحبه إلى زيادة المورد أو إعانة مستحقة. ولا يغني الوعظ بالقناعة عن علاج الظلم في الأجور وإيصال الحقوق. يحسب الإنسان ما يملكه، ويعلم أن الحساب لا يحيط بكل الخير الذي يؤتيه الله.
عن ابن شهاب، قال ابن المسيب إن أبا هريرة ـ رضى الله عنه ـ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة».[٣١]
وفي حديث الحلف لترويج السلعة بيان أن الوسيلة قد تزيد البيع في الظاهر وتمحق البركة. فلا يكون ارتفاع الإيراد وحده تزكية للطريق. يسأل العامل عما فعله للوصول إليه، ويصلح ما خالف فيه، ويرجو البركة من الله في الحلال الذي اختاره.
الفصل الثالث والأربعون
التقوى والاستقامة وفتح البركات
قد يظهر أثر التقوى في موقف لا يراه أحد: بائع يذكر عيبا يستطيع إخفاءه، أو خصم يؤدي حقا كان قادرا على حبسه. تلك اللحظة التي يقدم فيها العبد رضا الله على ربح قريب هي من مواضع فهم الوعد بالمخرج والرزق.
الوعد في موضع الامتحان
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢–٣] يفتح الوعد القلب على عطاء لا تحيط به حساباته. وليس معنى الأخذ به أن يهمل الحساب النافع، وإنما ألا يظن أن ما تصوره من السبل هو كل ما عند الله من الفرج.
وسياق الطلاق يكشف وجها يحتاج إليه الناس: قد تكون التقوى في نزاع أسري وحقوق تتجاذبها الغضبة والمصلحة. فمن قرأ الوعد طلبا للسعة ثم ظلم من فارقه، فقد غفل عن موقع من مواقع العمل بالآية. يلتزم حدود الله، ويؤدي ما عليه، ويرجو المخرج من عنده.[٣٢]
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] يتسع الخطاب إلى حياة الجماعة. لا تعود الأمانة شأن فرد معزول؛ إذ يحمل صلاح التعامل وحفظ الحقوق أثرا في حياة الناس المشتركة. ويثبت الوعد كما ورد، دون تنزيل كل واقعة تاريخية على تفسير غيبي لم يبينه الوحي.
أن تبدأ مما تعلم
ربما شغل طالب البركة نفسه بأعمال كثيرة، وهو يعرف حقا واحدا يؤخره. والأقرب إلى الصدق أن يبدأ بما تبين له: يصلح عقدا ظالما، أو يرد مالا، أو يؤدي فريضة. لا يحتقر النوافل، لكنه يحفظ ترتيبها؛ فالعبادة لا تكون ستارا على حق متروك.
وإذا احتاج في طريق الاستقامة إلى تحمل ضيق مؤقت، استعان بالله وبما يتاح من أسباب مباحة. قد يتوقف عن مورد محرم قبل أن يكتمل البديل، فيحتاج إلى مساندة وتدرج في إصلاح ما يقبل التدرج شرعا، وإلى سؤال أهل العلم فيما اشتبه. لا يزين له الحرام باسم الواقعية، ولا يترك وحيدا أمام الحاجة باسم الوعظ.
ثم إن التقوى تصحب النجاح أيضا. فحين يتسع عمله، يراجع ما نشأ معه من حقوق جديدة، ولا يظن أن البدايات الصالحة تعصمه من فساد لاحق. يظل محتاجا إلى الهداية والمحاسبة، وتظل أبواب التوبة مفتوحة كلما قصر.
الفصل الرابع والأربعون
التوبة والاستغفار وزوال الموانع
الاستغفار كلمة رجوع قبل أن يكون كلمة طلب. يقف بها الإنسان معترفا أنه محتاج إلى مغفرة الله، وأن صلاح الغد يبدأ أحيانا بإصلاح ما أفسده بالأمس. ومن هذا المعنى يدخل إلى رجاء ما وعد الله به المستغفرين.
وتتصل دعوة نوح بدعوة هود عليهما السلام؛ ففيها أيضا الأمر بالاستغفار والتوبة ووعد بالقوة [هود: ٥٢]. فتثبت هذه النصوص أصل المعنى دون حاجة إلى كل رواية مشتهرة في تفريج الهموم بالاستغفار.
المطر والمال والبنون في دعوة نوح
قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠–١٢] هذه دلالة بينة على الخير الدنيوي الذي دعاهم إليه نبيهم مع الرجوع إلى ربهم. فلا يحذف من الاستغفار رجاء فضل الله في المعاش، ولا يحذف منه أصل الإنابة وطلب المغفرة.[٣٣]
ويحفظ القارئ الفرق بين الوعد وبين إضافة تفاصيل لم ينص عليها. فمن دعا بالولد أو سعة المال لم يعتد بمجرد ذلك، ومن ضمن له الولد بعد عدد اخترعه أو موعد حدده تكلم بغير علم. وقد يطول انتظار مبتلى صادق، فلا يواجه باتهام يمس قلبه من غير بينة.
رجوع يصل إلى موضع الخطأ
إذا كان التقصير في أداء الأجر، وصل أثر التوبة إلى الأجير. وإذا كان في بيان السلعة، ظهر الإصلاح في البيان ورد ما ثبت من حق. وإذا كان في قطيعة أو إساءة، طلب التائب ما يصلحها بحسب القدرة والحكمة. بذلك لا تبقى المغفرة المطلوبة منفصلة عن حياة من مسهم الذنب.
ولا يشترط لصدق العزم أن يضمن الإنسان لنفسه العصمة بعد التوبة؛ فهو يجاهد ويستعين، فإن زل عاد. الذي ينافي صدق الرجوع أن يعزم على إبقاء المعصية ثم يجعل اللفظ بديلا عن تركها. وبين الضعف الذي يقاومه صاحبه والإصرار الذي يحتال لتبريره فرق يعلمه المرء من نفسه.
ذكر يعيد الإنسان إلى ربه
عن الأغر المزني، – وكانت له صحبة – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».[٣٤]
ثبت العدد الوارد في هذا الخبر، فيؤخذ به اتباعا ورجاء لفضل الله، دون جعله شرطا لمبلغ معين أو اختبارا لسرعة الإجابة.
الفصل الخامس والأربعون
الصلاة والدعاء والذكر
حين يرفع المحتاج يديه، لا يحتاج إلى أن يصوغ حاجته كما يصوغ عرضا يقنع به الناس. الله يعلم اضطراره وما خفي عنه من مصلحته. ويأتي الدعاء المأثور ليهذب هذا الطلب: رزق طيب، وعلم نافع، ودنيا صالحة، وآخرة هي دار القرار.
العلم النافع والرزق الطيب والعمل المقبول
عن أم سلمة، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم «اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا».[٣٥]
يجمع الدعاء صلاح المعرفة والكسب والعبادة. ويحفظ وقت الصبح الوارد في الرواية، ولا يضاف إليه عدد لم تذكره.[٣٦]
الكفاية بالحلال والغنى بفضل الله
عن أبي وائل، عن علي، رضى الله عنه أن مكاتبا، جاءه فقال إني قد عجزت عن كتابتي فأعني. قال ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل صير دينا أداه الله عنك قال «قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك».[٣٧]
المطلوب كفاية في الحلال وغنى بفضل الله، يصحبهما أداء الدين والسعي في أسبابه، ولا يتخذ الدعاء عذرا لتجاهل صاحب الحق.
قضاء الدين والاستعاذة من أسبابه وآثاره
عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال».[٣٨]
عن سهيل، قال كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول «اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شىء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شىء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء وأنت الآخر فليس بعدك شىء وأنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر». وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.[٣٩]
يجمع الدعاء الأول الاستعاذة من أحوال القلب والعجز والكسل وثقل الدين والقهر، ويسأل الثاني قضاء الدين والغنى من الفقر. وتحفظ لكل رواية ألفاظها وسياقها دون إلحاق قصة أو عدد أو أجل للسداد لم يثبت معها.
العافية والبركة فيما أعطي الإنسان
سبق نص حديث «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته» وتخريجه في الفصل ٤٢.
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أنه قال لأبيه يا أبة إني أسمعك تدعو كل غداة اللهم عافني في بدني اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري لا إله إلا أنت تعيدها ثلاثا حين تصبح وثلاثا حين تمسي. فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن فأنا أحب أن أستن بسنته. وفي رواية العباس بن عبد العظيم، أحد شيخي أبي داود، زيادة: «وتقول اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت تعيدها ثلاثا حين تصبح وثلاثا حين تمسي فتدعو بهن فأحب أن أستن بسنته». قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت». وعقب أبو داود بقوله: «وبعضهم يزيد على صاحبه».[٤٠]
تثبت في خبر أبي بكرة العافية المطلوبة وتكرار الدعاء ثلاثا صباحا وثلاثا مساء. ويجمع دعاء أنس، المتقدم في الفصل الثاني والأربعين، طلب الكثرة والبركة؛ فالمقصود نفع العطاء وسلامته.[٤١]
الثبات على الدعاء من غير استعجال ولا تعد
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل». قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال «يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء».[٤٢]
لا يمنع النهي عن الاستعجال سؤال أهل العلم عن آداب الدعاء، أو إصلاح التقصير، أو الشكوى المشروعة من ألم وحاجة. وإنما يمنع الاستحسار وترك الدعاء على الوجه المبين في الحديث.
لذلك لا ترتبط هذه الأدعية بجدول أرباح أو بوعد أن من قرأها أياما معدودة حصل على مبلغ بعينه. ما ثبت من عدد أو وقت يحفظ، وما لم يثبت لا ينسب إلى السنة. ويجوز للإنسان أن يدعو بحاجته بألفاظ مباحة يفهمها، لكن الفرق باق بين الدعاء الجائز من إنشائه وبين اللفظ المأثور وفضيلته الخاصة. هذا الفرق يحفظ سعة الدعاء ويمنع صناعة وصفات دينية لا دليل عليها.
الصلاة تحفظ وجهة اليوم
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] ترد الآية الخوف من المعيشة إلى موضعه؛ فلا يسقط حق الله بسبب انشغال لا ينتهي. ويعين تنظيم العمل على أداء الصلاة، كما يعين صدق العبادة على أمانة العمل.
والذكر في يوم العمل يعيد القلب إلى هذا المعنى كلما استغرقته المنافسة. لا يتخذه العامل بدلا عن أداء المهمة التي اؤتمن عليها، ولا يجعل وقت الناس مجالا لتقصير يسميه عبادة. يجمع ما أمكن من خير القلب وحسن الوفاء، ويعطي كل حق وقته.
الفصل السادس والأربعون
صلة الرحم وبر الوالدين
قد تكون الزيارة قصيرة، لكن معناها عند من انتظرها طويل. وللرحم في حياة الإنسان أثر لا يختزل في المال: ذاكرة مشتركة، وسؤال وقت الغياب، وعون عند الضعف. وجاء الوعد ببسط الرزق ليزيد الصلة ترغيبا، مع بقاء أصلها حقا لله وحقا للقرابة.
وبر الوالدين من أعظم الحقوق، ويظهر في القول اللين والخدمة والنفقة عند وجوبها والدعاء والإحسان. وليس معنى تعظيمه إلغاء حدود الاستطاعة أو الطاعة في المعروف. والقول بأن مجرد مخالفتهما في كل رغبة يمحق الرزق يحتاج إلى تحرير؛ فالعقوق له معناه، وليس اسما لكل اختلاف مباح.
صلة الرحم وبسط الرزق والبركة في العمر
عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه».[٤٣]
الوعد بالصلة ثابت، ولا يلغي ثبات علم الله معناه، كما لا تفهم الزيادة على أنها علم جديد لم يكن الله يعلمه.
يشرح النووي بسط الرزق بتوسعته وكثرته، ويذكر قولا بأنه البركة فيه. ويعرض في النسء في الأثر وجهين: البركة في العمر والتوفيق للطاعات وعمارة الأوقات بالنفع، والزيادة بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في الكتابة المشروطة. أما علم الله السابق فلا يتغير؛ فالسبب وما يترتب عليه معلومان له. ويرجح النووي وجه البركة في العمر، ولا يصح اختزال كلام الشراح في تفسير واحد متفق عليه.[٤٤]
ويبين ابن تيمية الفرق بين علم الله وكتابته في أم الكتاب، وبين ما يُكتب للملائكة مشروطا بالأسباب. وهكذا تكون الصلة من جملة القدر، ويظل الوعد بها باعثا على الطاعة، لا دعوى بأن العبد يعلم مقدار الزيادة أو موعدها.[٤٥]
والمطلوب العملي من الحديث لا يتوقف على أن يحيط المسلم بتفاصيل الكتابة: يصل رحمه امتثالا ورجاء لما وعد الله، ولا يحدد مقدار الزيادة أو موعدها. تكون الصلة بالسؤال والزيارة والمساعدة والإحسان بحسب القرابة والحاجة والعرف والقدرة، ولا تنحصر في المال. وقد يكون قريب غني أحوج إلى الكلمة والوفاء من الهدية، وقد يكون القريب المعسر أحوج إلى إعانة تحفظ كرامته.
ولا تدخل في الصلة محاباة القريب في حق عام أو منحه وظيفة بغير استحقاق على حساب المستحقين أو كتمان ظلمه. الصلة عبادة إحسان، والعدل عبادة لا تسقط بها. كما لا يجوز أن تتحول إلى مبادلة يقول صاحبها: أعطيت أقاربي فلم يزد دخلي، فلا أصلهم بعد اليوم. يكون رجاء الثواب والبركة مصحوبا بمعرفة أن للرحم حقا، وأن أداء هذا الحق لا يجعل للعبد سلطانا على توقيت العطاء وصورته.
الصلة التي ترى حاجة صاحبها
قد تكثر المجالس ويبقى قريب محتاج إلى سؤال صادق أو قضاء حاجة. وقد يكون الاتصال الهادئ أنفع من مناسبة كبيرة لا تسمع فيها شكواه. ينظر الواصل إلى ما يقدر عليه وما يحتاجه قريبه، ويتجنب إحسانا يثقله أو يكشف سره. والمال وجه من الصلة، لكنه لا يعوض دائما غياب الوفاء أو قسوة الكلام.
عن عبد الله بن عمرو ـ وقال سفيان لم يرفعه الأعمش إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفعه حسن وفطر ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».[٤٦]
يبدأ الواصل بالخير حتى عند القطيعة. وفي حال الأذى يطلب الوجه المأمون لأداء الحق، ويستعين بالمصلح أو صاحب العلم عند الاشتباه؛ فلا يصبح الإحسان إقرارا بالاعتداء.
ويبقى البر بالوالدين بابا واسعا من الرفق والخدمة وحسن الخطاب. وربما كبر الإنسان في مهنته وبقي غافلا عن حاجة صغيرة لا يطلبها والداه إلا منه. ومن العدل أن يعرف استطاعتهما واستطاعته، وأن يتعاون مع إخوته على ما يلزم، وألا يجعل الإنفاق المالي وحده نهاية العلاقة. ويرجو البركة في هذه الطاعة دون أن يحدد لله عوضا أو موعدا.
الفصل السابع والأربعون
الصدقة والإنفاق ونصرة الضعفاء
حين يفارق بعض المال يد صاحبه إلى محتاج، قد يراه الحساب نقصا، ويراه القلب بابا للخير. والإيمان بفضل الصدقة لا يلغي حقيقة المال المدفوع، بل يضيف إلى النظر ما وعد الله به من خلف وأجر وبركة.
وتسبق الحقوق الواجبة النفقات التطوعية التي تفضي إلى تضييعها. فالعطاء من مال يتعلق به حق الغير، أو مع ترك نفقة واجبة، لا يصحح بمجرد حسن الصورة. وينهى القرآن عن المن والأذى وعن قصد الرديء الذي لا يقبله المعطي لنفسه إلا على إغماض، فيربط قيمة الإنفاق بأدبه ومادته.
الخلف وحقوق الإنفاق
عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».[٤٧]
يخرج المال المدفوع من ملك المتصدق، ولا ينحصر معنى الحديث في ثبات الرصيد. وذكر النووي وجهين: جبر النقص ببركة الباقي ودفع المضرات، أو جبره بالثواب المضاعف. فلا يحصر الوعد في عودة المبلغ نفسه فورا.[٤٨]
وهذا لا يصرف الحديث عن رجاء الخير في الدنيا، وإنما يحرر صورة الرجاء. فقد يفتح الله للمتصدق باب كسب، أو يحفظ عليه نفع الموجود، أو يدخر له الثواب، ولا يملك أحد أن يلزم حالة بعينها بواحد من هذه الوجوه دون نص. وتبقى النية عبادة لله ورحمة بالمحتاج؛ فلا يصح تسويق الصدقة بوصفها معاملة ذات عائد مالي محدد أو استخدام قصص الثراء للضغط على المعسر حتى يدفع ما يحتاج إليه عياله.
عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة». وقال الترمذي: وفي الباب عن عمر وعامر بن ربيعة وأبي هريرة وعبد الله بن حبشي وأم سلمة وجابر.[٤٩]
متابعة الحج والعمرة من أسباب الخير المنصوصة، ويقرأ فضلها مع أحكام الاستطاعة والنفقة والديون. فلا يؤخر حق حال من أجل سفر تطوع، ولا تترك الأسرة بلا نفقة، ولا يحدد للدخل عوض أو موعد لم يرد في النص.
تختلف أولوية التطوع بحسب الحقوق والحاجات؛ فلا يجعل تكرار النسك أفضل لكل أحد من كل نفقة أخرى، ولا يحمل العاجز فوق طاقته باسم الترغيب.
عن مصعب بن سعد، قال رأى سعد ـ رضى الله عنه ـ أن له فضلا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم».[٥٠]
عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم».[٥١]
وفي الخبرين تذكير بمكانة الضعفاء وبأثر دعائهم وصلاتهم وإخلاصهم. يرد هذا المعنى اغترار القوي بقوته، ويدعوه إلى توقير من قد يغيب فضلهم عن عينه. وتبقى كل رواية بلفظها؛ فذكر الرزق في رواية البخاري، وبيان الدعاء والصلاة والإخلاص في رواية النسائي.
ويترتب على هذا تقدير الضعيف وإبطال احتقاره لقلة ماله أو جاهه. يعان لحقه وحاجته وابتغاء وجه الله، ولا يكلف دعاء خاصا مقابل المساعدة، ولا يستغل احتياجه. ويكتمل الإحسان بتيسير ما يحفظ استقلاله حيث يمكن: عمل ملائم أو تعليم أو علاج أو وفاء حق تأخر عنه.
عطاء لا يستعبد من أخذه
لا يملك المعطي ضمير المحتاج لأنه أعانه، ولا يستحق منه موافقة على كل رأي أو ظهورا في كل مجلس. ما يعطيه لله يصونه عن المن والأذى، ويرجو الثواب ممن قصد بعمله. وقد نهى القرآن عن إبطال الصدقات بالمن والأذى [البقرة: ٢٦٤] فدل على أن أدب العطاء من حقيقة نفعه، لا زينة تضاف بعده.
الفصل الثامن والأربعون
الشكر وحفظ النعمة
بعض النعم لا تظهر لنا إلا حين تتعطل: خطوة كانت يسيرة، أو نوم هادئ، أو وجه نأنس بقربه. والشكر يوقظ الانتباه قبل الفقد، فيجعل المألوف معلوم القدر، ويصل العطاء بمن أعطاه.
الشكر معرفة بالنعمة ونسبتها إلى المنعم واستعمالها فيما يحبه، وليس كلمة تقال مع إفساد العطاء. ويقرر القرطبي عند إبراهيم ٧ أن الآية نص في كون الشكر سببا للمزيد، ثم يشرح حقيقة الاعتراف بالنعمة وعدم صرفها في المعصية. وهذه دلالة تتجاوز المال إلى مختلف وجوه العطاء.[٥٢]
ولا يجوز الادعاء بأن من شكر حفظت له كل نعمة بعينها إلى آخر عمره. فقد يفقد الشاكر الصحة أو الولد أو بعض المال ابتلاء ويبقى الوعد حقا من غير أن نعين شكل الزيادة وموعدها من عند أنفسنا. وقد تتعلق الزيادة بالتوفيق للطاعة أو الثواب أو غير ذلك من فضل الله، ولا نحصرها في نوع واحد دون دليل.
الشكر عند ابن القيم
قال ابن القيم: «والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره. فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة. وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور».[٥٣]
ينقل هذا التأصيل الشكر من رضا بالظروف إلى عبودية تستعمل العطاء فيما يحبه الله، فيلتقي عمل القلب واللسان والجوارح.
ويصلح هذا التأصيل لتصحيح صور شائعة. من حمد الله على قدرته ثم ظلم بها ضعيفا، فقد ناقض بفعله مقتضى الشكر. ومن اعترف بأن معرفته نعمة ثم غر بها من يثق فيه، لم يؤد حقها. وليس المقصود أن نزعم كمال الشكر لأنفسنا، بل أن نعرف وجه السير إليه، ونستغفر مما شابه من نقص.
مزيد لا يحيط العبد بصورته
قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] يفتح الوعد باب الرجاء، ويوقظ القلب إلى أن ما عنده بداية فضل لا يستحقه استقلالا. ويسأل المؤمن ربه الزيادة في الخير، ولا يجعل الشكر وسيلة يتركها إذا لم تبق نعمة بعينها على صورتها التي أحبها.
عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقالت عائشة لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا». فلما كثر لحمه صلى جالسا فإذا أراد أن يركع قام، فقرأ ثم ركع.[٥٤]
تنشأ عبادة الشاكر من معرفة فضل الله؛ فالنعمة السابقة نفسها تدعو إلى الحمد والطاعة قبل النظر إلى مزيد يرجوه العبد بعدها.
يشكر من أحسن إليه من معلم ووالد وعامل، ولا ينسب نجاحه إلى نفسه وحدها. ومع الاعتراف بما عنده يستطيع وصف حاجته وطلب علاج أو زيادة مباحة.
الفصل التاسع والأربعون
محق الرزق والربا والكسب الخبيث
ليست كل زيادة خيرا لصاحبها. فقد يتسع المال من طريق يضيق به القلب وتضيع فيه الحقوق، ويبقى صاحبه يعد ما ربح ولا يعد ما أفسد. ويأتي التحذير من المحق ليكسر هذا الاغترار، دون أن يجعلنا قضاة على أسرار أقدار الناس.
وفي مثل القرية الآمنة في النحل ١١٢ صلة بين كفر النعمة وزوال الأمن ورغد العيش. وفي الأنفال ٥٣ بيان أن تغيير النعمة مرتبط بما يغيره القوم من أنفسهم. لكن هذه الأصول لا تعطي حق تشخيص كل مجاعة أو مرض أو فقد بأنه عقوبة لضحاياه؛ فالابتلاء قد يقع على الصالحين، وقد يكون الظلم من غير المتضرر.
ما معنى محق الرزق وما الذي يمكن الجزم به
سبق نص حديث «البيعان بالخيار» وتخريجه في الفصل ٣٧.
سبق نص حديث «الحلف منفقة للسلعة» وتخريجه في الفصل ٤٢.
لفظ المحق ورد في القرآن متعلقا بالربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وفي حديث البيع أن الصدق والبيان سبب للبركة، وأن الكذب والكتمان سبب لمحق بركة البيع. وفي اليمين عند البيع أنها منفقة للسلعة ممحقة للبركة. هذه نصوص معينة، تعين السبب والجهة التي ينبغي التحذير منها، وتمنع أن يقتصر تقويم الكسب على زيادة الأرقام أو نجاح الصفقة في ظاهرها.[٥٥]
ومن المهم التفريق بين ذهاب عين المال، ونقص الانتفاع به، وذهاب البركة، والإثم المتعلق بطريق اكتسابه. قد تجتمع هذه المعاني، لكنها ليست لفظا واحدا ولا يلزم ظهورها جميعا في وقت واحد. من ربح من الغش قد يزيد رصيده فعلا، ومع ذلك يبقى فعله محرما والوعيد في محق البركة قائما. ومن خسر تجارة مباحة لا يلزم أن تكون خسارته محقا عقابيا؛ فقد وقعت خسائر وابتلاءات على أهل الإيمان.
والنص على السببية لا يعطينا علما بكل سبب خفي في حال شخص معين. نعلم أن الظلم والفساد أسباب للشر، وأن الذنوب توجب التوبة، لكن لا نعلم بمجرد رؤية مريض أو فقير الذنب الذي زعم الناس أنه سبب بلائه. وقد يكون سبب الخسارة الظاهر سرقة أو جائحة أو إخلال شريك بالعقد، فيجب معالجة هذا السبب وإقامة العدل، لا مطالبة المتضرر بالصمت باسم القدر.
عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} وقال { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}». ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، «فأنى يستجاب لذلك».[٥٦]
يبين الحديث خطر التغذي بالحرام وأثره في الدعاء، ولا يعكس الاستدلال فيتهم كل من تأخر مطلوبه بأكل الحرام؛ فالنص يصف حالة معلومة، ولا يطلعنا على ضمائر الناس.
ومن صور الإفساد التي يمكن بحثها عمليا: أن يؤدي الغش إلى تلف حق المشتري، أو تؤدي الخيانة إلى ضياع الثقة، أو يستهلك الإسراف مال النفقة، أو يبدد القمار ما يحتاج إليه صاحبه. بعض هذه الآثار ظاهر تدركه الخبرة، وبعض الأحكام ثابت بالنص، ويجب بيان أي الأمرين نستعمل في كل موضع. لا يصح أن نضيف إلى القائمة عادة مباحة ثم نجعلها سببا غيبيا للفقر بلا دليل، مثل لون ثوب أو موضع جلوس أو عدد لا أصل له.
والطريق عند اكتشاف كسب محرم يبدأ بالتوقف عن الفعل ورد الحقوق والتوبة وتصحيح المعاملة وفق حكمها، لا بالبحث عن ذكر يمحو أثر الظلم مع إبقاء المال في يد آخذه. الاستغفار عبادة عظيمة، لكنه لا يحول الحق المسلوب إلى ملك مباح. بهذا يجتمع طلب بركة الرزق مع العدالة التي تحفظ أرزاق الآخرين، ويخرج الكلام من لوم المحتاجين إلى محاسبة من يعتدي على الحقوق.
وقد تعقدت بعض المعاملات حتى صار صاحبها لا يحيط بتفاصيلها. فلا يسوغ له أن يطمئن إلى اسم حسن أو وعد مرتفع بالعائد؛ يطلب بيانا يفهمه، ثم يعرض ما اشتبه على من يجمع المعرفة الشرعية بالتصور الصحيح للواقعة. الجهل الذي يستطيع رفعه ليس موضعا صالحا لبناء اطمئنان متعجل.
ومن تاب احتاج إلى رجاء يثبته، وإلى خطة تحفظ حقوق من تعلقت أموالهم به. لا يستسلم لفكرة أن ما أفسده لا يمكن إصلاحه، ولا يعد أن كل تبعة ستزول بكلمة واحدة. يفرق بين مغفرة يطلبها من الله وبين حق يؤديه إلى صاحبه، ويبدأ بالممكن الصادق.
الفصل الخمسون
الإسراف والتبذير والطغيان
لا يضيع المال دائما دفعة واحدة. قد يخرج قليلا قليلا وراء عادة لا تسأل عن حاجتها، أو منافسة لا تعرف نهايتها، حتى يكتشف صاحبه أن ضروراته صارت تنتظر ما استهلكته المظاهر. والاعتدال يعيد السؤال إلى الغاية: لأي شيء ننفق؟
الإسراف تجاوز للحد، والتبذير إضاعة للمال في غير وجهه المشروع، ويتصل المعنيان بالمقدار وبالمصرف وبحال المنفق. فما يحتاج إليه صاحب مسؤولية قد يكون زائدا في حال غيره، وما كان محرما لا يصبح حسنا لقلة مقداره. ولذلك لا يكفي تحديد رقم واحد يقال إن كل ما زاد عليه إسراف لجميع الناس.
وتجمع آية الإسراء ٢٩ بين النهي عن الغل المانع من الحق وعن البسط المفضي إلى الحسرة والعجز. وفي الفرقان وصف القوام بين الإسراف والإقتار. وتتيح هذه النصوص بحث الموازنة بين احتياجات الحاضر والالتزامات المقبلة والصدقة، دون تحويل الاعتدال إلى بخل أو التوسع المباح إلى تهمة.
قوام يصلح لحياة صاحبه
قال تعالى في عباد الرحمن﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] لا تعطي الآية نسبة واحدة لكل ميزانية، لكنها تقيم أصلا يمنع إفراطا يفسد وتقتيرا يحبس الحق. ويعرف التفصيل بالنظر في حاجة الأسرة وقدرتها والتزاماتها والمصرف نفسه.
وقد يكون إنفاق كبير معتدلا لحاجة كبيرة، وإنفاق قليل تعديا إذا وقع في محرم. ولذلك لا يقاس الناس ببعضهم قياسا مجردا من حالهم. ينظر المرء في ماله هو، ويسأل: هل قدم ما وجب؟ هل فهم تبعة الالتزام؟ هل اشترى منفعة يحتاجها أم صورة يريد أن يراها الآخرون؟
ما تخفيه المنافسة
في قصة قارون يظهر الافتتان بزينة الغنى، ثم انكشاف عاقبة البغي [القصص: ٧٦–٨٢] ولا ينفع القارئ أن يحفظ العاقبة وينسى النصيحة التي سبقتها: ابتغاء الآخرة فيما آتاه الله، والإحسان، وترك الفساد. فالمشكلة لم تكن أن في يده مالا فحسب، بل ما صنع به وما حمله من غرور.
وقد تظهر صورة أصغر من هذا الاغترار حين ينسى الناجح من علمه وأعانه، وما تهيأ له من أمن وصحة وفرصة. يحق له أن يصف ما تعلمه من أسباب، لكنه لا يحق له أن يجعل السبب ملكا مستقلا عن فضل الله أو مبررا لاحتقار غيره. المعرفة بالسبب تكمل الشكر إذا نسبت النعمة إلى المنعم، وتفسده إذا تحولت إلى دعوى استغناء.
حفظ الموجود دون خوف يستهلكه
من الاعتدال أن يصلح ما يمكن إصلاحه قبل استبداله، وأن يخطط لنفقة تتكرر، وأن يترك شراء لا يحتاجه إذا نافس حقا أولى. وهذه وسائل تدبير تتغير، وليست أبواب تحريم لكل راحة أو زينة. قد ينفق المرء على مباح يسر أهله ويعينهم، فيكون حسنا في موضعه.
والحفظ لا يعني منع كل مخاطرة عادية أو تجميد كل مال. لكنه يطلب فهم ما يدخل فيه، وترك ما لا يستطيع احتمال تبعته على ضروراته وحقوق الآخرين. وإذا خسر بعد اجتهاد، راجع وتعلم، ولم يخلط بين خطأ تقدير بشري وبين حكم قاطع على دينه.
الباب الثامن
فقه تلقي العطاء والمنع ودوام النعمة
يتناول هذا الباب الصبر والقناعة والزهد، ثم كيف يصير العلم سلوكا عند العطاء والمنع. وينتهي إلى رزق الآخرة؛ حيث تتسع الرؤية لما وراء حدود العمر، من غير أن تسقط أعمال الدنيا وحقوقها. فالرجاء في الباقي يعين على الإحسان في الحاضر.
الفصل الحادي والخمسون
الصبر عند ضيق الرزق وفقد النعم
حين يفقد الإنسان نعمة أحبها، لا تصبح الكلمات الصادقة سهلة عليه لمجرد أنه يعرفها. يحتاج أن يسمعها برفق، وأن يجد من يحمل معه بعض المؤونة. ومن حسن فقه الصبر أن نعرف أن المبتلى إنسان يتألم، وأن الهداية تعينه على حمل ألمه ولا تنكر وجوده.
والصبر حبس النفس عن المحرم واللسان عن الاعتراض المذموم والجوارح عن الاعتداء، ولا يعني انعدام الحزن أو ترك طلب المعونة. وقد شكا يعقوب بثه وحزنه إلى الله، وجاءت السنة ببيان خير أمر المؤمن في الشكر والصبر. ومشاركة الألم مع من يعين على العلاج أو قضاء الحق ليست في ذاتها مناقضة للصبر.
وفي الحديد ٢٢ و ٢٣ تربية على النظر إلى المصيبة في إطار العلم والتقدير، وعلى اجتناب الأسى الذي يستولي على القلب والفرح المختال بما أوتي الإنسان. ولا يحمل هذا على منع الحزن الطبيعي أو السرور المشروع، بل على إصلاح تعلق يفضي إلى قنوط أو بغي.
ضيق الرزق مراجعة النفس من غير اتهام المبتلى
عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال قلت يا رسول الله أى الناس أشد بلاء قال «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».[٥٧]
محاسبة الإنسان نفسه غير اتهام غيره؛ فيراجع تقصيره ويصلح عمله، ولا يقطع بأن فقر جاره دليل فساد دينه. وحديث شدة بلاء الأنبياء يمنع جعل البلاء وحده قرينة على نقص الصلاح.[٥٨]
فاجتماع البلاء مع الصلاح ثابت، كما أن أثر الذنوب في الشر ثابت في نصوصه. ومقتضى الجمع ألا نبطل واحدا منهما، وألا ندعي القدرة على تعيين الوصف الغيبي لكل واقعة. قد يكون الفقد رفعا لدرجة أو تكفيرا، وقد يتصل بتقصير، وقد نجهل وجه الحكمة فيه. وما نعلمه يقينا هو ما كلف به العبد في حاله: اجتناب الحرام، وطلب المخرج المباح، والصبر، وأداء ما يقدر عليه من الحقوق.
وفي مساعدة المبتلى تقدم الحاجة المعلومة على التخمين في سببها. من فقد عمله يحتاج إلى غذاء وسكن وفرصة وسداد ما لا يستطيع تأخيره، ومن أصيب بمرض يحتاج إلى رعاية وتخفيف مؤونة. النصيحة بالتوبة والدعاء لا تمنع هذه الأعمال، بل ينبغي أن تقترن بالرحمة. وإذا كان الضيق ناشئا عن ظلم ظاهر فالمطالبة برفعه مشروعة، ولا يعد الرضا بالله قبولا لاستمرار تعدي المعتدي.
ومن أسباب اضطراب هذا الباب انتقاء قصص النجاح وحدها: يذكر شخص أنه تصدق فربح، أو استغفر فتوظف، ثم تعرض القصة كأنها برهان على مآل كل أحد. قد تكون التجربة صحيحة في نفسها، ويشكر صاحبها الله عليها، لكنها لا تكشف جميع أسباب النتيجة، ولا تحدد موعدا للمحتاج الآخر. يقين المسلم متعلق بصحة الوعد الذي ورد، أما تنزيل صورة واحدة من التجربة على الجميع فيحتاج إلى دليل لا توفره القصة وحدها.
عن أبي سعيد الخدري ـ رضى الله عنه ـ أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده فقال «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».[٥٩]
يكتسب الصبر بتربية النفس على اجتناب الحرام وفعل الممكن مع طول الانتظار. ولا ينافيه طلب الدعم المناسب عند الحاجة، كما لا تمنع العفة أخذ حق مستحق أو مساعدة مباحة.
ماذا نقول لمن أصابه الفقد
نبدأ بما نعلمه من حقه علينا: نصغي، ونعين، ونحفظ سره، ونبتعد عن تفسير مصيبته بذنب نتخيله. نذكره بالرجاء حين يكون للكلمة موضع، ولا نحاصره بسؤال عن درجة رضاه في كل ساعة. وقد تكون خدمة صغيرة في بيته أو ترتيب حاجة عاجلة أبلغ في مواساته من كلام كثير.
عن أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين ـ وكان ظئرا لإبراهيم ـ عليه السلام ـ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف ـ رضى الله عنه ـ وأنت يا رسول الله فقال «يا ابن عوف إنها رحمة». ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وسلم «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». رواه موسى عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم.[٦٠]
وفي خبر وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم اجتماع دمع العين وحزن القلب مع التزام القول الذي يرضي الله. وهو أصل يرفع الحرج عن الحزن الطبيعي، ويفرق بين التألم وبين السخط المحرم.
ومن فقد مورد رزقه قد يحتاج إلى ترتيب الضروريات أولا، ثم إلى استرداد القدرة على البحث. لا يلزم أن ينجز خطة حياة جديدة في يوم الصدمة. يقبل العون المشروع، ويختار خطوة ممكنة، ويعطي الحزن حقه دون أن يسلمه جميع قراراته. وإذا احتاج إلى مساعدة مختصة طلبها؛ فالعناية بالنفس من جملة الأسباب التي تعينه على أداء ما يستطيع.
الفصل الثاني والخمسون
القناعة والزهد والرضا
قد يملك المرء ما يكفي يومه، ثم يحمل في قلبه فقرا لا تنتهي مطالبه. وقد تضيق موارده ويبقى قادرا على تذوق ما عنده من خير. ليست القناعة إلغاء للحاجة، لكنها تحرير للنفس من أن تصبح كل نعمة صغيرة لأن غيرها أكبر.
ويختلف الزهد عن تحريم الطيبات. فالقرآن ينكر تحريم زينة الله والطيبات، ويحذر في الوقت نفسه من الاغترار بزينة الحياة الدنيا. فينتفع الإنسان بالمباح ويؤدي حقه، ولا يجعل مكانته وطمأنينته معلقتين بما يملكه. وتختلف أحوال الناس وقدرتهم على الجمع بين السعة وأداء الحقوق، فلا يفرض عليهم مثال واحد في المسكن والملبس والطعام.
وتقرأ آية طه ١٣١ في سياق النهي عن مد العين إلى زهرة الحياة التي متع بها غيره، لا بوصفها منعا من التعلم أو العمل أو تحسين إدارة الموارد. فقد يسعى الإنسان إلى سعة يعف بها نفسه وأهله وينفع غيره وقلبه قانع، وقد يملك القليل وقلبه مشغول بما عند الناس.
الزهد الذي يحفظ الواجب
في جواب ابن تيمية عن الزهد المشروع بيان أنه يتصل بترك ما لا ينفع في الآخرة والثقة بما عند الله. ثم ينكر أن يجعل الإنسان إعراضه عن أهله وأولاده من الدين، ويذكر أن الكسب والإنفاق عليهم قد يكونان واجبين أو مستحبين؛ فلا يصير تركهما قربة بمجرد تسميته زهدا.[٦١]
هذا الضبط يرد الزهد إلى موقعه: صلاح القلب والطريق، مع أداء الحقوق. فمن احتاج إلى مال يكف به أهله، كان سعيه في تحصيله من الخير، لا عيبا يهرب منه إلى صورة المتجرد. ومن استغنى عن فضول تشغله واستعمل وقته في أنفع، كان تركه محمودا بحسب قصده وعمله.
غنى النفس
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».[٦٢]
لا يكفي تغير الرصيد لعلاج تعلق لا ينتهي؛ فيعرف الإنسان حاجته ويهذب رغبته، ولا يجعل ما في أيدي الناس معيارا جامعا لنجاحه.
ويمكن أن يجتمع غنى النفس مع طموح نافع: يتعلم ليحسن مهنته، ويزيد دخله ليؤدي حقا، ويطور عملا يخدم به الناس. الفرق في سلطان المقصود عليه؛ هل يقبل الحرام إذا تأخر؟ هل يحتقر من لم يملك مثله؟ هل يترك ما بيده من خير لأنه ليس في صورة ما عند غيره؟ هذه أسئلة تكشف التعلق أكثر مما يكشفه حجم الملك.
رضا لا يطفئ الحركة
تقدم أن الرضا بالله لا يوجب محبة المعصية أو إسقاط حق المظلوم، وأن كراهة الألم الطبيعية لا تعني الاعتراض على الله. وقد بين ابن القيم هذا الفرق عند كلامه على الرضا، وذكر مشروعية دفع ما نزل من المكروه بالأسباب المقدورة. فليس المريض مأمورا بترك العلاج ليثبت رضاه، ولا الفقير بترك طلب الكفاية.[٦٣]
الفصل الثالث والخمسون
فقه العطاء والمنع والعمل بالعلم
قد يفهم الإنسان معنى صحيحا، ثم يظل واقفا أمام حياته لا يعرف من أين يبدأ. والعمل بالعلم يعيده إلى القريب الممكن: حق يعرفه، ونعمة يملك حفظها، وحاجة يستطيع أن يسعى في رفعها.
بين سؤالين
إذا أوتي نعمة سأل: كيف أشكرها وأؤدي حقها؟ وإذا فاته مطلوب سأل: ما الواجب والممكن في حالي الآن؟ هذان السؤالان ينقلانه من الاستغراق في تفسير الغيب إلى عبودية يعرف طريقها. وقد لا يعلم لماذا تأخر مطلوب بعينه، لكنه يعلم أنه يستطيع أن يدعو، ويطلب المباح، ويجتنب الظلم، ويقبل عونا مشروعا.
عن أنس، قال كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار».[٦٤]
يجمع الدعاء خير الحال والمآل؛ فلا يحبس المسلم رجاءه في زيادة المال مجردة عما يصحبها من صلاح.
عمل يصدق المعرفة
عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله، وإن قل»[٦٥]
يربي الدوام الوفاء بحسب الطاقة، فيحفظ العمل القليل المستمر ما لا تحفظه دفعة تنقطع. ولا يبيح هذا الاقتصار على القليل في واجب لا يؤديه إلا تمامه. وفي المجلد الثالث تدريب على اختيار العمل ومراجعته والاستمرار عليه.
الفصل الرابع والخمسون
رزق الآخرة ودوام النعيم
مهما طال عمر النعمة في الدنيا، فإنها لا تعطي الإنسان معنى البقاء الكامل. يشيخ البدن، وتتبدل اليد التي تمسك المال، وتبقى في القلب رغبة في خير لا يفنى. والوحي يفتح للرجاء باب الآخرة، فيتسع به حساب الرزق إلى ما وراء العمر المشاهد.
ورد الرزق في سياق الآخرة نصا، كما في رزق الشهداء عند ربهم [آل عمران: ١٦٩]، وفي نعيم الجنة الذي لا ينفد [ص: ٥٤]. ويمنع هذا الامتداد قصر الحساب على ما يقع للإنسان في سنوات عمره القليلة؛ فقد يفوته حظ عاجل وتبقى له عاقبة خير، وقد يجمع مالا كثيرا ولا ينفعه عند الحساب.
ما عند الله لا ينفد
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] فرق بين نعمة يحتاج صاحبها في الدنيا إلى حراستها ويخاف انقطاعها، وبين نعيم أخبر الله بدوامه. وتربية الرجاء على هذا الخبر لا تحرم الإنسان طيبات الدنيا؛ إنها تمنع أن يطلب منها ما لم تخلق له من دوام كامل.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].[٦٦]
تقرب المعاني المعروفة رجاء النعيم ولا تحيط بحقيقته؛ فنقف عند الخبر الصحيح دون إضافة تفاصيل من الخيال إلى الغيب.
ما الذي نقدمه
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».[٦٧]
ينتقل السؤال من بقاء المال في اليد إلى ما عمل صاحبه به. وتدعو هذه الأبواب إلى نفع يمتد بعد موته، مع بقاء القبول فضلا يرجى من الله.
وليس امتداد الأثر مقصورا على صاحب المال الكثير؛ قد يعلم معرفة صادقة، أو يربي ولدا على خير، أو يسهم في منفعة يقدر عليها. ولا يستصغر عملا لأنه لا يحمل اسمه طويلا؛ فطلب البقاء في ذاكرة الناس غير طلب الثواب عند الله.
الآخرة تقيم حق الدنيا
من آمن بالحساب اشتد حرصه على حق العامل والمحتاج والشريك؛ لأنه يعلم أن ضعف صاحب الحق اليوم لا يضيعه عند الله. ولا يجوز قلب هذا الإيمان إلى حجة على المظلوم بأن يصمت عن حقه انتظارا للعوض. الواجب على المعتدي رفع اعتدائه، وعلى القادر إعانة المظلوم، ولصاحب الحق أن يطلب حقه بالوسائل المشروعة.
وبذلك يجتمع الأفقان: دنيا نصلحها بقدرنا، وآخرة نرجو فيها تمام العدل والفضل. كلما اتسع الرجاء لما عند الله، صغر في النفس ثمن الحرام، وعظم فيها قدر العمل الصالح ولو خفي على الناس.
الباب التاسع
النماذج المأثورة وأقوال العلماء ونقد الدعاوى
يعرض هذا الباب مواقف مختارة من أخبار الأنبياء والصحابة، ثم يبين كيف يفيد القارئ من كلام العلماء في أبواب الرزق. ويقف أخيرا عند عبارات شاعت، فيرد كل قول إلى مرتبته ومصدره؛ ليبقى أثر الموعظة متصلا بصدقها، ويظل الرجاء مبنيا على ما يصح الاعتماد عليه.
الفصل الخامس والخمسون
مواقف قرآنية في الرزق
لا يقدم القرآن سيرة واحدة للعطاء تتكرر في جميع الصالحين. نقرأ فيه عن ملك واسع، ومرض طال، وحاجة إلى طعام، وتدبير لسنوات الشدة. وهذه المواقف، على اختلافها، تجمع القلب على معنى واحد: معرفة الله في الحال التي أقام فيها عبده، والعمل بما أمره به.
مريم العطاء والأخذ بالسبب
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. يكفينا من هذا المشهد ما أثبته القرآن: رزق وجد، وسؤال قيل، ونسبة للعطاء إلى الله. ومن معرفة فضل المعطي أن نقف عند الخبر دون تكلف تفاصيل لم يثبتها.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ۞ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ١٦–٣٦].[٦٨]
وفي موضع آخر، عند مخاضها، جاء الأمر بهز جذع النخلة [مريم: ٢٥] فيجتمع في قصتها عطاء من الله وفعل مأمور به. ولا نسوي بين المشهدين في كل ظرف، ولا نبني عليهما أن السبب المعتاد شرط لكل عطاء؛ لكنهما يزيلان توهم التعارض بين افتقار العبد إلى ربه وبين فعله ما يستطيع.
موسى الإحسان مع الحاجة
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ [القصص: ٢٢–٢٨].[٦٩]
اجتمع في موقف موسى عليه السلام نفع الغير والإقرار بالحاجة؛ فلم تمنعه حاجته من الإحسان الذي قدر عليه، ولم يجعله إحسانه غنيا عن الدعاء.
ثم جاء في السياق استدعاؤه ليجزى أجر ما سقى، وذكر القوة والأمانة، وعرض العمل على الصفة التي حكاها القرآن [القصص: ٢٥–٢٨] هذه صلات ظاهرة في القصة، ولا نحتاج إلى اختراع حوار باطن أو ضمان أن كل من دعا بالدعاء نفسه سيجد زواجا أو وظيفة في موعد محدد.
يوسف الاستعداد للسنوات الصعبة
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٣–٤٩].[٧٠]
جمع تدبير يوسف عليه السلام العمل في زمن السعة بحفظ الموارد للشدة المقبلة؛ فالادخار لحاجة متوقعة لا يناقض التوكل.
وخصوصية علم يوسف بما دلت عليه الرؤيا لا تعني أن صاحب خطة عادية يعلم المستقبل كما علمه نبي. نحن نستفيد أصل الاستعداد وحفظ المورد، ثم نستعمل في تقدير المستقبل ما يجوز من معرفة وخبرة، مع الاعتراف باحتمال الخطأ. لا نصنع من القصة تنبؤات اقتصادية يقينية، ولا نستخرج منها نسبة ادخار واحدة لجميع البيوت.
ويظهر في قوله﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] اتصال المسؤولية بالحفظ والمعرفة. فالإرادة الطيبة لا تغني وحدها عن القدرة اللازمة لإدارة ما تقوم به حياة الناس. ومن يتولى موردا لغيره يحتاج إلى أمانة وإحاطة بعمله، وإلى أن يعرف حدود ما لا يحسن فيستعين بمن يحسنه.
سليمان النعمة سؤال عن الشكر
قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٣٨–٤٠].[٧١]
ينقل قول سليمان عليه السلام النظر من الدهشة بالقدرة إلى مسؤولية استعمالها؛ فالفضل بداية لسؤال الشكر.
ولا تعمم خصوصيات ملكه على كل طالب رزق، ولا يقاس قبول الدعاء عند الناس بما أعطي نبي من آيات. الذي نتعلمه أن اتساع القدرة لا يرفع عن صاحبها معنى الابتلاء، وأن الاعتراف بفضل الله يصحب النجاح في اللحظة التي يسهل فيها نسبته إلى النفس وحدها.
أيوب صلاح لا ينفي الألم
قال تعالى: ﴿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣–٨٤].قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤١–٤٤].[٧٢]
اجتمع في شأن أيوب عليه السلام الدعاء بكشف الضر والثناء عليه بالصبر [ص: ٤٤]، فطلب العافية لا ينافي الصبر.
ولا نزيد على القصة تفاصيل مرض أو أقوالا جارحة من أهله لم تثبت لمجرد أنها شاعت. يكفي ثبوت الابتلاء لنبي كريم ليبطل اتخاذ المرض علامة لازمة على مهانة المبتلى. ويكفي دعاؤه ليفتح للمريض باب الرجاء دون أن يلزمه بإخفاء ألمه.
في هذه المواقف أعمال تناسب الحال: إحسان وتدبير وشكر ودعاء وصبر، وتقدم خبر صنعة داود في الفصل الحادي والثلاثين. نهتدي بما دلت عليه النصوص دون أن نعمم خصوصيات الأنبياء على كل طالب رزق.
الفصل السادس والخمسون
الصحابة وفقه العطاء والكسب
خرجت معاني الرزق في حياة الصحابة من مجال القول إلى أعمال لها كلفة: سفر إلى سوق، ومال يحبس نفعه للفقراء، وحق يؤدى قبل توزيع الميراث، ووقت يتعاون صاحبان على اغتنامه في العلم. والتأسي بهم يبدأ من فهم الموقف كما ثبت، ثم معرفة الوجه الذي نهتدي به في أحوالنا.
عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشىء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا فقال أبو بكر وما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شىء في بطنه.[٧٣]
هذا فعل صحابي ثابت، تستفاد منه شدة التحرز من الحرام، ولا يجعل إرشادا طبيا عاما بالاستقاء لكل من علم بشبهة في طعامه.
بعض الأخبار الآتية من أفعال الصحابة، وبعضها يتضمن قولا نبويا؛ ويحفظ الفرق بينهما عند النسبة والاستدلال.
تناوب عمر وجاره في طلب العلم
عن عمر، قال كنت أنا وجار، لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهى من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحى وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضربا شديدا. فقال أثم هو ففزعت فخرجت إليه فقال قد حدث أمر عظيم. قال فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي فقلت طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لا أدري. ثم دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا قائم أطلقت نساءك قال «لا». فقلت الله أكبر.[٧٤]
يثبت الخبر تعاونا على تحصيل العلم، ولا يذكر طبيعة عمل كل واحد في يومه الآخر، فلا تضاف إليه تفاصيل متجر أو مزرعة. وتعين المبادلة الموثوقة على الجمع بين الالتزامات والتعلم.
أبو هريرة وتفاوت فرص الملازمة
أن أبا هريرة ـ رضى الله عنه ـ قال إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه «إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول». فبسطت نمرة على، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شىء.[٧٥]
يبين الخبر تفاوت فرص الحضور والحفظ، دون ذم تجارة الصحابة أو بناء مفاضلة مطلقة بين المتفرغ والعامل. فالوقت المتاح نعمة، والعمل الذي تقوم به الأسر والمجتمعات له حقه.
كعب بن مالك والاحتفاظ ببعض المال
عن كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. قال «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.[٧٦]
يحفظ التوجيه النبوي لكعب كفايته في لحظة حماسة صادقة عقب التوبة. فلا يُجعل كل احتفاظ بالمال شحا، ولا يُجعل الصدق في التوبة متوقفا على التجرد من جميع الملك. ويقرأ هذا الخبر مع نصوص الإنفاق والنفقة حتى يأخذ كل حق موضعه.
عمر وأرض خيبر دوام المنفعة
عن ابن عمر ـ رضى الله عنهما ـ أن عمر بن الخطاب، أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به قال «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها». قال فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول. وقال ابن عون، أحد رواة الحديث: «فحدثت به ابن سيرين فقال: غير متأثل مالا».[٧٧]
يظهر في هذا الموقف ترتيب منفعة تستمر مع بقاء الأصل. ويتطلب الانتفاع به في الوقف المعاصر ضبط العقود والإدارة وحقوق المستفيدين؛ فلا تكفي تسمية مشروع تجاري وقفا.
حكيم بن حزام والعفة عن السؤال
سبق نص حديث «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة» وتخريجه في الفصل ٤٢.
امتنع حكيم عن الأخذ تربية لنفسه، وكان عمر يعرض عليه حقه كما في الرواية المتقدمة في الفصل الثاني والأربعين. فاختياره لا يجعل أخذ الحق أو المساعدة المباحة محرما على سائر الناس.
أسماء وجاراتها وجوه من التعاون
عن أسماء بنت أبي بكر ـ رضى الله عنهما ـ قالت تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شىء غير ناضح، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهى مني على ثلثى فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال «إخ إخ». ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال والله لحملك النوى كان أشد على من ركوبك معه. قالت حتى أرسل إلى أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني.[٧٨]
في خبر أسماء حضور لمشقتها ولمن أعانها: جارات يخبزن، ومعونة تخفف رعاية الفرس. فلا تحجب المشقة قيمة العون، ولا تجعل الخدمة قدرا لا يقبل التخفيف.
وتفيد القصة في أن نرى الجهد الذي لا يدخل إلى البيت في صورة أجر، لكنه يحفظ معاشه. ومن الخطأ تحويل ما حكته عن حالها إلى قائمة أعمال مفروضة على كل امرأة مهما اختلفت القدرة والظروف؛ فالأحكام التفصيلية تستند إلى مجموع أدلتها. الذي يبرز هنا هو صدق الاعتراف بالمشقة، وفضل العون العملي الذي يخففها.
دين الزبير حق يسبق الميراث
عن عبد الله بن الزبير قال لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه فقال يا بنى، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا فقال يا بنى بع مالنا فاقض ديني. وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه، يعني عبد الله بن الزبير يقول ثلث الثلث، فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شىء فثلثه لولدك. قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول يا بنى، إن عجزت عنه في شىء فاستعن عليه مولاى. قال فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت يا أبت من مولاك قال الله. قال فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت يا مولى الزبير، اقض عنه دينه. فيقضيه، فقتل الزبير ـ رضى الله عنه ـ ولم يدع دينارا ولا درهما، إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قال وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير لا ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا، إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ـ رضى الله عنهم ـ قال عبد الله بن الزبير فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف قال فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال يا ابن أخي، كم على أخي من الدين فكتمه. فقال مائة ألف. فقال حكيم والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله أفرأيتك إن كانت ألفى ألف ومائتى ألف قال ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شىء منه فاستعينوا بي. قال وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف ثم قام فقال من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف فقال لعبد الله إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله لا. قال فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله لا. قال قال فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله لك من ها هنا إلى ها هنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة فقال له معاوية كم قومت الغابة قال كل سهم مائة ألف. قال كم بقي قال أربعة أسهم ونصف. قال المنذر بن الزبير قد أخذت سهما بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي فقال سهم ونصف. قال أخذته بخمسين ومائة ألف. قال وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير اقسم بيننا ميراثنا. قال لا، والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. قال فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم قال فكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.[٧٩]
وفي خبر عبد الله بن الزبير عن دين أبيه عناية بأداء الحقوق قبل قسمة المال. لم تجعل كثرة ما خلفه الزبير النظر إلى الدين أمرا ثانويا، بل كان مما أوصى به وشغل ابنه بوفائه. ولا نحتاج إلى تحويل مقادير القصة إلى عملة معاصرة لنفهم أصلها: ما يتعلق بالمال لغير صاحبه لا يسقط بالموت، والوفاء من تمام الأمانة.
الفصل السابع والخمسون
منهج العلماء في فقه الرزق
قد يبحث القارئ عن كتاب عنوانه الرزق، بينما يجد الجواب الأعمق عن سؤاله في باب نفقة، أو شرح حديث، أو فصل في التوكل. ذلك أن الرزق يمس الاعتقاد والعمل والقلب والحقوق، فلا يستوعبه نوع واحد من التصنيف.
وفي «الكسب» المنسوب إلى محمد بن الحسن الشيباني ينبغي التفريق بين أصل الكتاب وبين شرح السرخسي الذي وصلت به النسخة المتداولة. وينص افتتاح الشرح على هذه الصلة. كما يلزم تمييز اعتراض الخصم الذي يعرضه المصنف من جوابه المختار؛ فاقتطاع فقرة من المناظرة قد ينسب إلى المؤلف نقيض ما يدافع عنه.[٨٠]
وفي المواضع المحال إليها في الفصول السابقة: في مسألة ابن تيمية تحرير للاشتراك في لفظ الرزق ولصلة الأسباب بالمقادير، وفي شرح ابن رجب للحديث التاسع والأربعين تحليل للتوكل والعمل وحقوق العيال. ويضيف النظر في شروح النووي لحديث الكفاية والإنفاق تفصيلا يتعلق بالمعاش، ويعرض الغزالي في آداب الكسب مسائل النية والعدل والإحسان. ونقل كلام هؤلاء في موضع محدد لا يعني اعتماد كل ما في كتبهم من روايات أو اختيارات.
كيف تقرأ مصنفات الرزق نموذج رسالة السيوطي
تختلف المصنفات التي يستفاد منها فقه الرزق في أغراضها وأدواتها. كتاب الكسب يبحث أحكام العمل والحاجة والواجبات، وكتب الزهد تعالج تعلق القلب والقناعة، وكتب الحديث تحفظ الرواية وطرقها، والتفسير يشرح الآية ويحكي أقوال السلف، والفتاوى تحرر سؤالا معينا، ورسائل الفضائل تجمع ما ورد في سبب من الأسباب. لا يغني نوع عن سائر الأنواع، ولا يصح أن يحمل كل مؤلف على مهمة لم يقصدها.
من الرسائل الجامعة «حصول الرفق بأصول الرزق» للسيوطي. جمع فيها ما روي في الأذكار والدعوات والأفعال المتصلة بالرزق. وتفيد الرسالة في معرفة مواضع البحث، ثم ينظر في كل رواية على حدة؛ فغرض الجمع أوسع من الاقتصار على الصحيح.[٨١]
ويفصل القارئ بين كلام السيوطي وبين تعليقات محقق الطبعة. فالحكم الذي يرد في الحاشية ينسب إلى قائله، ولا ينسب إلى مؤلف الرسالة لمجرد وروده في صفحتها.
وتتفاوت أحاديث الرسالة: منها حديث صلة الرحم الثابت في الصحيح، ومنها روايات ضعفها محقق الطبعة، ومنها ما وقع الخلاف في تقويته. لذلك يكون الانتفاع بالجمع مقرونا بمعرفة مرتبة الخبر، ولا يغني حسن معناه عن ثبوت نسبته.[٨٢]
والمنهج الأجدى للقارئ أن يجعل الرسالة دليلا إلى الأحاديث، ثم يرجع في كل استدلال إلى مصدره وحكمه ودلالته. إن ثبت السبب الخاص عمل به على وجهه، وإن لم يثبت لم يحوله إلى وعد نبوي. وقد يكون معنى عام في الخبر الضعيف ثابتا بدليل آخر؛ فالاستغفار مأمور به في القرآن، لكن ثبوت أصله لا يصحح كل قصة أو صيغة أو ضمان مالي ألحق به.
وهذا ينطبق على كتب الزهد والتفسير أيضا. قيمة الكتاب في حفظ العلم كبيرة، ومع ذلك قد يورد مؤلفه أثرا بإسناده تاركا النظر فيه لأهل الشأن، أو يحكي قولا للاعتبار أو المناقشة. لا يستفاد من جلالة المؤلف تصحيح تلقائي لكل خبر بين دفتي كتابه. وينتفع الباحث بوفرة النقل مع تواضع الحكم: ما تحقق موضعه قيل ذلك، وما نقل فيه حكم محدث سمي صاحبه، وما بقي إسناده محتاجا إلى دراسة لم يجعل أصلا لوعد غيبي أو لتكليف الناس بعمل مخصوص.
موقع ابن تيمية وابن القيم في هذا البناء
تتضح في مسائل ابن تيمية عناية بتحرير الألفاظ التي ينشأ من إجمالها خلاف: الرزق الذي ينتفع به العبد غير الملك الذي يحل له، والسبب داخل في القدر، والرضا بالله لا يحول المعصية إلى أمر محبوب شرعا. كما يصل بين عبودية الفرد والعدل في المعاش؛ ففي رسالة الحسبة يناقش حاجة الناس إلى الصناعات، ويذكر قيام فرض الكفاية بها، ثم يجمع بين توفير ما يحتاج إليه الناس ومنع ظلم القائمين بالعمل في أجورهم.[٨٣]
وتظهر في المواضع المحال إليها سابقًا من مدارج السالكين لابن القيم عناية بأعمال القلوب: الإخلاص، والتوكل، والرضا، والشكر. وقراءته تحتاج إلى تمييز عبارة صاحب «منازل السائرين» التي يشرحها، من تقريره هو، ومن الأقوال التي ينقلها ثم يناقشها. قد يحسن القارئ حفظ جملة ثم يسيء نسبتها أو يفوته اعتراض يأتي بعدها. لهذا يرجع إلى سياق الفصل، لا إلى صورة اقتطعت منه.
مسارات القراءة المتكاملة
من أراد التوسع في أسباب الرزق، بدأ بآياتها وتفسيرها ثم بالأحاديث الثابتة وشروحها. ومن أراد حكم كسبه، احتاج إلى أبواب البيوع والإجارة والنفقات والزكاة، وإلى تصور المعاملة التي بين يديه. ومن خاف تعلق قلبه، أفاد من كتب الزهد والسلوك مع ضبط مروياتها. ومن درس تفاوت الأرزاق والقدر، احتاج إلى جمع النصوص التي تثبت الحكمة والعدل والأسباب والابتلاء.
الفصل الثامن والخمسون
تحرير الدعاوى المشهورة عن الرزق
أشد العبارات انتشارا ليست دائما أشدها ثبوتا. قد تحمل مواساة جميلة، أو وعدا يحبه المحتاج، فتجري على الألسنة حتى يستوحش بعض الناس من السؤال عن مصدرها. والتحقق لا يطفئ الرجاء؛ إنه يرد الرجاء إلى ما يصح أن يستند إليه.
تكثر في موضوع الرزق عبارات وقصص تنتشر لقوة أثرها النفسي. ويتطلب نقدها فصل أربعة أسئلة: هل ورد النص؟ وهل ثبتت نسبته؟ وماذا يدل عليه؟ وهل التطبيق المقترح موافق لدلالته؟ فقد يصح أصل الحديث ويضاف إليه عدد أو وقت أو ضمان لا أصل له، وقد يكون المعنى صحيحا لكن نسبته إلى النبي ﷺ غير صحيحة.
وسبق في الفصل الخامس عشر من المجلد الأول بيان أن اتساع أنواع النعم لا يثبت تساوي مجموعها بين الناس؛ فلا تنسب هذه المعادلة إلى الوحي.
كلمة ابن القيم في جلب الرزق ومنعه
قال ابن القيم: «وأربعة تجلب الرزق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصدقة، والذكر أول النهار وآخره. وأربعة تمنع الرزق: نوم الصبحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة».[٨٤]
هذه كلمة من كلام ابن القيم في فصل الوصايا العامة، وليست حديثا مرفوعا. وتفهم مع الأدلة الخاصة بكل عمل، فلا تتحول إلى حصر لجميع الأسباب أو ضمان لمقدار مالي معين.[٨٥]
يثبت لكل سبب دليله الخاص: فما ورد له وعد حفظ، وما عرف فضله العام لم يضف إليه وعد مالي مخصوص. صحة نسبة كلام العالم لا تغني عن هذا النظر.
أما نوم الصبحة فيقرأ مع فضل البكور وحقوق البدن والظروف المختلفة. ليست جملة ابن القيم وحدها دليلا على تحريم النوم بعد الفجر لكل إنسان، ولا على أن نوم المريض أو العامل ليلا سبب يقيني لفقره. والكسل يختلف عن العجز الحقيقي؛ فالكسل ترك لما يقدر عليه المرء من نافع، والعاجز يحتاج إلى الإعانة. والخيانة محرمة وفيها إفساد لحقوق الناس، فلا تختزل مضرتها في خسارة الخائن وحده، بل قد يبدأ الضرر بأرزاق من ائتمنوه.
مرويات مشهورة لا يصح تسويتها في الحكم
رُوي عن ابن عباس في خبر ضعفه الألباني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب».[٨٦]
ورد هذا الخبر في ملازمة الاستغفار، وضعفه الألباني. ويثبت فضل الاستغفار والترغيب فيه بالقرآن والسنة الصحيحة، لكن صحة أصله لا تصحح كل لفظ أو وعد ألحق به. لذلك لا ينسب هذا الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة جازمة من غير بيان حاله.
ورُوي عن ثوبان، في حديث اختلف في تقويته، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق للخطيئة يعملها».[٨٧]
وأما حديث ثوبان في الحرمان من الرزق بالذنب، فقد اختلف في تقويته: حسن محقق «حصول الرفق» إسناده بشواهده، وضعف الألباني جملة الحرمان من الرزق مع تحسين أصل الحديث دونها. فلا يقال إنه صحيح باتفاق أو موضوع باتفاق، ولا يتوقف وجوب التوبة ورد الحقوق على الترجيح في هذه الزيادة.
وورد في الرسالة خبر قراءة سورة الواقعة كل ليلة لانتفاء الفاقة، وحكم محققها بضعفه. وأورد بعدها خبرا آخر في تسميتها سورة الغنى، وذكر المحقق أنه لم يقف على إسناد رواية ابن مردويه، وبيّن أن طريقًا آخر للخبر موضوع. فلا يدمج الخبران، ولا يثبت بهما ضمان مالي لتلاوة مخصوصة. ويبقى فضل قراءة القرآن ثابتا بأدلته الصحيحة.[٨٨]
وقد تعلق بصيغ صحيحة المعنى أعداد ووعود لا تثبت. مشروعية التوحيد والحوقلة لا تصحح كل رواية تعد من كرر صيغة مائة مرة بزوال الفقر. تثبت الفضيلة الخاصة بدليلها، ويبقى الذكر العام مشروعا. والقصص الشخصية تحكى بصدق ويشكر الله عليها، لكنها لا تقوم مقام الإسناد ولا تثبت تشريعا.
الغنى لا يمنع فضل صاحبه
من القصص التي تؤثر في تصور المال ما يروى عن دخول عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا بسبب غناه. وقد حكم ابن تيمية على هذا الخبر بأنه موضوع لا أصل له في سياق بحثه المفاضلة بين الفقير والغني. فلا يصح جعله أصلا لتخويف كل ذي مال من أن غناه وحده يحجبه عن منزلة الفضل. الميزان في الطريق والنية وأداء الحقوق والتقوى.[٨٩]
كيف نتلقى تجربة مؤثرة
إذا حكى إنسان أنه دعا ففرج الله عنه، أو تصدق ثم وجد سعة، أمكن أن نفرح له ونشكر الله على فضله. لا يلزم تكذيبه لأن التجربة لا تثبت قاعدة عامة، ولا يلزم تحويلها إلى وصفة لكل محتاج لأن صاحبها صادق. الفرق أن الخبر يصف ما وقع له، أما الوعد العام فيحتاج إلى دليل يتجاوز قصته.
ومثل ذلك تعبير «كل تأخير فيه خير» إذا أريد به حسن الظن بالله ورجاء حكمته، فلا يتحول إلى جزم بأن كل تأخر مهني أو دراسي سيأتي صاحبه في الدنيا بعوض أكبر من النوع نفسه. قد يعرف بعض الحكمة، وقد تبقى عنه خافية، وتمام العدل والفضل لا يحصر في المشاهد العاجل.
ومن أراد نشر نص، سأل عن أصله ولفظه ودرجة نسبته. فإذا لم يثبت، أمكنه أن يستغني عنه بآية أو حديث صحيح يؤدي المعنى المشروع. لا تحتاج الرحمة بالمحتاج إلى اختراع بشارة، ولا يحتاج التحذير من الظلم إلى اختراع عقوبة. وفيما صح من الوحي غنى واسع للترغيب والترهيب والعمل.
وبهذا ينتهي التأصيل، ويبدأ المجلد الثالث: تدريب على فهم المواقف، وأداء الحقوق، ومراجعة القرارات، ثم متابعة عمل يمكن توثيق إنجازه. يظل الرجاء بالله قائما، ويكون القياس للعمل الذي نقدر عليه.
فهرس مواضع الآيات
يحيل هذا الفهرس إلى السورة والآية أو المقطع المذكور صراحة في المتن، وإلى فصله في هذا المجلد. والنصوص وشروحها في مواضعها.
الجمعة: ١٠ • فصل ٢٩
البقرة: ١٩٨ • فصل ٢٩
الطلاق: ٧ • فصل ٣٠
الأنبياء: ٨٠ • فصل ٣١
النساء: ١٠٠ • فصل ٣٢
المطففين: ١ • فصل ٣٧
البقرة: ٢٨٢ • فصل ٣٨
التوبة: ٦٠ • فصل ٣٩
البلد: ١٣–١٦ • فصل ٤٠
البقرة: ٢٧٣ • فصل ٤٠
المؤمنون: ٥٥–٥٦ • فصل ٤١
الطلاق: ٢–٣ • فصل ٤٣
الأعراف: ٩٦ • فصل ٤٣
هود: ٥٢ • فصل ٤٤
نوح: ١٠–١٢ • فصل ٤٤
طه: ١٣٢ • فصل ٤٥
البقرة: ٢٦٤ • فصل ٤٧
إبراهيم: ٧ • فصل ٤٨
البقرة: ٢٧٦ • فصل ٤٩
الفرقان: ٦٧ • فصل ٥٠
القصص: ٧٦–٨٢ • فصل ٥٠
آل عمران: ١٦٩ • فصل ٥٤
ص: ٥٤ • فصل ٥٤
السجدة: ١٧ • فصل ٥٤
آل عمران: ٣٧ • فصل ٥٥
مريم: ١٦–٣٦ • فصل ٥٥
مريم: ٢٥ • فصل ٥٥
القصص: ٢٢–٢٨ • فصل ٥٥
القصص: ٢٥–٢٨ • فصل ٥٥
يوسف: ٤٣–٤٩ • فصل ٥٥
يوسف: ٥٥ • فصل ٥٥
النمل: ٣٨–٤٠ • فصل ٥٥
الأنبياء: ٨٣–٨٤ • فصل ٥٥
ص: ٤١–٤٤ • فصل ٥٥
ص: ٤٤ • فصل ٥٥
دليل المصادر والإحالات
المصادر المستعملة في حواشي هذا المجلد، مع إحالات إلى الفصول التي وردت فيها. وعند النقل بواسطة يبين ذلك في موضعه؛ ولا تعني الإحالة اعتماد جميع مرويات المصدر أو اختياراته.
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث التاسع والأربعين. • فصل ٢٧
البخاري، الصحيح، حديث ١٥٢٣. • فصل ٢٧
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤٠–٥٤١، مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. • فصل ٢٨
تفسير ابن كثير، الملك، الآية ١٥ • فصل ٢٨
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١١٩–١٢٠، فصل إثبات الأسباب والمسببات. • فصل ٢٨
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٠. • فصل ٢٩
الترمذي، الجامع، حديث ١٢١٢. قال الترمذي: حديث صخر الغامدي حديث حسن. • فصل ٢٩
ابن ماجه، السنن، حديث ٢١٤٤. حكم الألباني في صحيح الترغيب، رقم ١٦٩٨: صحيح لغيره. • فصل ٢٩
سنن ابن ماجه، حديث ٢١٤٤؛ حكم الألباني في صحيح الترغيب، رقم ١٦٩٨: صحيح لغيره. • فصل ٢٩
السرخسي، المبسوط، ٣٠/٢٤٧–٢٤٨، كتاب الكسب. • فصل ٣٠
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٦٤. • فصل ٣٠
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٢. • فصل ٣١
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٣٧٩. • فصل ٣١
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الأنبياء، الآية ٨٠؛ صحيح البخاري، حديث ٢٠٧٢؛ صحيح مسلم، حديث ٢٣٧٩. • فصل ٣١
الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب آداب الكسب والمعاش، الباب الخامس. • فصل ٣١
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الملك، الآية ١٥؛ والمزمل، الآية ٢٠. • فصل ٣٢
تفسير ابن كثير، النساء، الآية ١٠٠ • فصل ٣٢
البخاري، الصحيح، حديث ١١٦٦. • فصل ٣٤
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٤٨. • فصل ٣٥
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٩. • فصل ٣٧
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٦. • فصل ٣٧
البخاري، الصحيح، حديث ٢٣٨٧. • فصل ٣٨
البخاري، الصحيح، حديث ٢٤٠٠. • فصل ٣٨
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥١. • فصل ٣٩
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠٤٤. • فصل ٤٠
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥٣. • فصل ٤٠
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٦٣. • فصل ٤١
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٤٤. • فصل ٤٢
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٧٢. • فصل ٤٢
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٨٧. • فصل ٤٢
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الطلاق، الآيتان ٢–٣. • فصل ٤٣
تفسير ابن كثير، نوح، الآية ١٠ • فصل ٤٤
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٠٢. • فصل ٤٤
ابن ماجه، السنن، حديث ٩٢٥. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٧٦٢. • فصل ٤٥
سنن ابن ماجه، حديث ٩٢٥؛ حكم الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٧٦٢: صحيح. • فصل ٤٥
الترمذي، الجامع، حديث ٣٥٦٣. قال الترمذي: حسن غريب. • فصل ٤٥
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٦٩. • فصل ٤٥
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧١٣. • فصل ٤٥
أبو داود، السنن، حديث ٥٠٩٠. حكم الألباني: حسن الإسناد. • فصل ٤٥
سنن أبي داود، حديث ٥٠٩٠؛ حكم الألباني: حسن الإسناد؛ صحيح البخاري، حديث ٦٣٤٤ • فصل ٤٥
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٣٥. • فصل ٤٥
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٨٦. • فصل ٤٦
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ١٦/١١٤–١١٥، شرح حديث ٢٥٥٧. • فصل ٤٦
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤٠، ضمن مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. • فصل ٤٦
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٩١. • فصل ٤٦
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨٨. • فصل ٤٧
صحيح مسلم، حديث ٢٥٨٨؛ النووي، شرح صحيح مسلم، ١٦/١٤١ • فصل ٤٧
الترمذي، الجامع، حديث ٨١٠. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح غريب. • فصل ٤٧
البخاري، الصحيح، حديث ٢٨٩٦. • فصل ٤٧
النسائي، السنن، حديث ٣١٧٨. صححه الألباني في صحيح النسائي. • فصل ٤٧
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/٢٣٤، منزلة الشكر، فصل أصل الشكر في اللغة. • فصل ٤٨
البخاري، الصحيح، حديث ٤٨٣٧. • فصل ٤٨
البقرة، الآية ٢٧٦؛ صحيح البخاري، الحديثان ٢٠٧٩ و٢٠٨٧. • فصل ٤٩
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠١٥. • فصل ٤٩
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٩٨. قال الترمذي: حسن صحيح. • فصل ٥١
الأنبياء، الآية ٣٥؛ والبقرة، الآيات ١٥٥–١٥٧؛ الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٩٨؛ قال: حسن صحيح. • فصل ٥١
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٦٩. • فصل ٥١
البخاري، الصحيح، حديث ١٣٠٣. • فصل ٥١
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٠/٦٤١–٦٤٣، مسألة حقيقة الزهد المشروع. • فصل ٥٢
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤٤٦. • فصل ٥٢
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١٨٤–١٩٠، فصل الدرجة الثانية الرضا عن الله. • فصل ٥٢
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٨٩. • فصل ٥٣
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤٦٤. • فصل ٥٣
البخاري، الصحيح، حديث ٣٢٤٤. • فصل ٥٤
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٦٣١. • فصل ٥٤
البخاري، الصحيح، حديث ٣٨٤٢. • فصل ٥٦
البخاري، الصحيح، حديث ٨٩. • فصل ٥٦
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٤٧. • فصل ٥٦
البخاري، الصحيح، حديث ٢٧٥٧. • فصل ٥٦
البخاري، الصحيح، حديث ٢٧٣٧. • فصل ٥٦
البخاري، الصحيح، حديث ٥٢٢٤. • فصل ٥٦
البخاري، الصحيح، حديث ٣١٢٩. • فصل ٥٦
السيوطي، حصول الرفق بأصول الرزق، تحقيق أبي الفضل الحويني الأثري، دار الصحابة للتراث، ط١، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م، ص٢٩؛ متن الرسالة في فصلين، وآخر أرقام مروياته ٣٣. • فصل ٥٧
السيوطي، حصول الرفق بأصول الرزق، ص٣٠–٣٣، ٧٣، ٧٩–٨٠. أحكام الحواشي للمحقق. • فصل ٥٧
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٢٨/٧٩–٨٢، وفي تقدير أجرة المثل ص٨٦؛ رسالة الحسبة. • فصل ٥٧
ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/٣٧٨، فصل وصايا عامة؛ النص الرقمي لطبعة مؤسسة الرسالة الثانية. • فصل ٥٨
ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/٣٧٨، فصل وصايا عامة؛ النص الرقمي لطبعة مؤسسة الرسالة الثانية. • فصل ٥٨
أبو داود، السنن، حديث ١٥١٨. حكم الألباني: ضعيف. • فصل ٥٨
ابن ماجه، السنن، حديث ٩٠. وللحديث لفظ عنده برقم ٤٠٢٢؛ قال الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٣٢٦٤: حسن دون قوله «وإن الرجل…». وحسن محقق حصول الرفق إسناده بشواهده، ص٧٩–٨٠؛ وحسنه الأرناؤوط لغيره دون جملة الحرمان من الرزق، في تخريج المسند، حديث ٢٢٣٨٦. • فصل ٥٨
السيوطي، حصول الرفق بأصول الرزق، الخبران ٣ و٤، ص٣٢–٣٣، مع حاشية المحقق. • فصل ٥٨
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١١/١٢٨–١٢٩، ضمن مسألة تفاضل الفقير والغني بالتقوى. • فصل ٥٨
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ٢/٥٠١، ٥٠٦، شرح الحديث التاسع والأربعين؛ التفريق بين أحوال المتوكلين وحقوق العيال. • فصل ٢٧
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير إبراهيم، الآية ٧. • فصل ٤٨
السرخسي، المبسوط، ٣٠/٢٤٤، افتتاح كتاب الكسب وبيان نسبته إلى محمد بن الحسن وشرح السرخسي له. • فصل ٥٧
حواشي المصادر
-
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ٢/٥٠١، ٥٠٦، شرح الحديث التاسع والأربعين؛ التفريق بين أحوال المتوكلين وحقوق العيال. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث التاسع والأربعين. — المصدر ١؛ المصدر ٢؛ المصدر ٣
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٥٢٣. — النص
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤٠–٥٤١، مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. — المصدر
-
تفسير ابن كثير، الملك، الآية ١٥ — التفسير
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١١٩–١٢٠، فصل إثبات الأسباب والمسببات. — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٠. — النص
-
الترمذي، الجامع، حديث ١٢١٢. قال الترمذي: حديث صخر الغامدي حديث حسن. — النص؛ التخريج والحكم
-
ابن ماجه، السنن، حديث ٢١٤٤. حكم الألباني في صحيح الترغيب، رقم ١٦٩٨: صحيح لغيره. — النص؛ التخريج والحكم
-
سنن ابن ماجه، حديث ٢١٤٤؛ حكم الألباني في صحيح الترغيب، رقم ١٦٩٨: صحيح لغيره. — النص؛ التخريج والحكم
-
السرخسي، المبسوط، ٣٠/٢٤٧–٢٤٨، كتاب الكسب. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٦٦٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٢. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٣٧٩. — النص
-
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الأنبياء، الآية ٨٠؛ صحيح البخاري، حديث ٢٠٧٢؛ صحيح مسلم، حديث ٢٣٧٩. — النص؛ النص؛ التفسير
-
الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب آداب الكسب والمعاش، الباب الخامس. — المصدر
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الملك، الآية ١٥؛ والمزمل، الآية ٢٠. — التفسير؛ التفسير
-
تفسير ابن كثير، النساء، الآية ١٠٠ — التفسير
-
البخاري، الصحيح، حديث ١١٦٦. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٤٨. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٩. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٧٦. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٣٨٧. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٤٠٠. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥١. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠٤٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٣٥٣. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٩٦٣. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٤٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٧٢. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٨٧. — النص
-
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير الطلاق، الآيتان ٢–٣. — التفسير
-
تفسير ابن كثير، نوح، الآية ١٠ — التفسير
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٠٢. — النص
-
ابن ماجه، السنن، حديث ٩٢٥. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٧٦٢. — النص؛ التخريج والحكم
-
سنن ابن ماجه، حديث ٩٢٥؛ حكم الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٧٦٢: صحيح. — النص؛ التخريج والحكم
-
الترمذي، الجامع، حديث ٣٥٦٣. قال الترمذي: حسن غريب. — النص؛ التخريج والحكم
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٦٩. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧١٣. — النص
-
أبو داود، السنن، حديث ٥٠٩٠. حكم الألباني: حسن الإسناد. — النص؛ التخريج والحكم
-
سنن أبي داود، حديث ٥٠٩٠؛ حكم الألباني: حسن الإسناد؛ صحيح البخاري، حديث ٦٣٤٤ — النص؛ النص؛ التخريج والحكم
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٧٣٥. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٨٦. — النص
-
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ١٦/١١٤–١١٥، شرح حديث ٢٥٥٧. — النص؛ المصدر ١؛ المصدر ٢
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٨/٥٤٠، ضمن مسألة حقيقة الرزق وأنواعه. — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٩٩١. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ٢٥٨٨. — النص
-
صحيح مسلم، حديث ٢٥٨٨؛ النووي، شرح صحيح مسلم، ١٦/١٤١ — النص؛ المصدر
-
الترمذي، الجامع، حديث ٨١٠. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح غريب. — النص؛ التخريج والحكم
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٨٩٦. — النص
-
النسائي، السنن، حديث ٣١٧٨. صححه الألباني في صحيح النسائي. — النص؛ التخريج والحكم
-
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير إبراهيم، الآية ٧. — المصدر
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/٢٣٤، منزلة الشكر، فصل أصل الشكر في اللغة. — المصدر
-
البخاري، الصحيح، حديث ٤٨٣٧. — النص
-
البقرة، الآية ٢٧٦؛ صحيح البخاري، الحديثان ٢٠٧٩ و٢٠٨٧. — النص؛ النص؛ المصدر
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٠١٥. — النص
-
الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٩٨. قال الترمذي: حسن صحيح. — النص؛ التخريج والحكم
-
الأنبياء، الآية ٣٥؛ والبقرة، الآيات ١٥٥–١٥٧؛ الترمذي، الجامع، حديث ٢٣٩٨؛ قال: حسن صحيح. — النص؛ المصدر ١؛ المصدر ٢؛ التخريج والحكم
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٤٦٩. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ١٣٠٣. — النص
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٠/٦٤١–٦٤٣، مسألة حقيقة الزهد المشروع. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤٤٦. — النص
-
ابن القيم، مدارج السالكين، ٢/١٨٤–١٩٠، فصل الدرجة الثانية الرضا عن الله. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٣٨٩. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٦٤٦٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٣٢٤٤. — النص
-
مسلم بن الحجاج، الصحيح، حديث ١٦٣١. — النص
-
القرآن الكريم، مريم، الآيات ١٦–٣٦. — المصدر
-
القرآن الكريم، القصص، الآيات ٢٢–٢٨. — المصدر
-
القرآن الكريم، يوسف، الآيات ٤٣–٤٩. — المصدر
-
القرآن الكريم، النمل، الآيات ٣٨–٤٠. — المصدر
-
القرآن الكريم، الأنبياء، الآيتان ٨٣–٨٤؛ وص، الآيات ٤١–٤٤. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
البخاري، الصحيح، حديث ٣٨٤٢. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٨٩. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٠٤٧. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٧٥٧. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٢٧٣٧. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٥٢٢٤. — النص
-
البخاري، الصحيح، حديث ٣١٢٩. — النص
-
السرخسي، المبسوط، ٣٠/٢٤٤، افتتاح كتاب الكسب وبيان نسبته إلى محمد بن الحسن وشرح السرخسي له. — المصدر
-
السيوطي، حصول الرفق بأصول الرزق، تحقيق أبي الفضل الحويني الأثري، دار الصحابة للتراث، ط١، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م، ص٢٩؛ متن الرسالة في فصلين، وآخر أرقام مروياته ٣٣. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
السيوطي، حصول الرفق بأصول الرزق، ص٣٠–٣٣، ٧٣، ٧٩–٨٠. أحكام الحواشي للمحقق. — المصدر ١؛ المصدر ٢؛ المصدر ٣
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٢٨/٧٩–٨٢، وفي تقدير أجرة المثل ص٨٦؛ رسالة الحسبة. — المصدر ١؛ المصدر ٢؛ المصدر ٣
-
ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/٣٧٨، فصل وصايا عامة؛ النص الرقمي لطبعة مؤسسة الرسالة الثانية. — المصدر
-
ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/٣٧٨، فصل وصايا عامة؛ النص الرقمي لطبعة مؤسسة الرسالة الثانية. — المصدر
-
أبو داود، السنن، حديث ١٥١٨. حكم الألباني: ضعيف. — النص؛ التخريج والحكم
-
ابن ماجه، السنن، حديث ٩٠. وللحديث لفظ عنده برقم ٤٠٢٢؛ قال الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٣٢٦٤: حسن دون قوله «وإن الرجل…». وحسن محقق حصول الرفق إسناده بشواهده، ص٧٩–٨٠؛ وحسنه الأرناؤوط لغيره دون جملة الحرمان من الرزق، في تخريج المسند، حديث ٢٢٣٨٦. — النص؛ التخريج والحكم؛ قول المحقق؛ قول الأرناؤوط
-
السيوطي، حصول الرفق بأصول الرزق، الخبران ٣ و٤، ص٣٢–٣٣، مع حاشية المحقق. — المصدر ١؛ المصدر ٢
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١١/١٢٨–١٢٩، ضمن مسألة تفاضل الفقير والغني بالتقوى. — المصدر ١؛ المصدر ٢
